الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

نقابة المصرفيين تدعو بنك الخليج الدولي للتراجع عن نقل نشاطاته من البحرين وتعويض المستخدمين

نقابة المصرفيين تدعو بنك الخليج الدولي للتراجع عن نقل نشاطاته من البحرين وتعويض المستخدمين

بنك الخليج الدولي اتخذ قراراً بنقل عدد من نشاطاته إلى السعودية
المنامة - نقابة المصرفيين 
قالت نقابة المصرفيين إنه بعد تظلم موظفي بنك الخليج الدولي GIB منتصف شهر رمضان المبارك بخصوص قرار إدارته التنفيذية الانفرادي بنقل الجزء الأهم من نشاطاته واستثماراته وبالتالي موظفيه الى الظهران بالمملكة العربية السعودية، وبعد تبني النقابة قضيتهم العمالية العادلة وبعد اجتماع النقابة مع ادارة البنك (حتى لو سمي بحوار وبدون محضر)، وسماع وجهة النظر الرسمية بهذا الخصوص حيث طرحت النقابة مرئياتها للحل عبر نقطتين:
1 - إعطاء حزمة من المنافع (للموظفين خاصة ذوي الخدمات الطويلة، كما جرت في السنوات الماضية) لمن يرغب صيانة لكرامة وحقوق المستخدم.
2 - تعديل بنود اتفاقية العمل (الجديدة) السعودية بحيث تتضمن المنافع والحقوق العمالية المكتسبة نفسها، بل وأكثر بعد التشاور وموافقة اصحاب الشأن (المستخدمين ومن يمثلهم). وأضافت النقابة أنه «أمام رفض إدارة بنك الخليج الدولي اقتراحات النقابة للخروج من الأزمة وسعيها الدائم إلى الانفراد بالقرار دون التشاور والتشارك مع أية جهة، فقد قامت النقابة بإجراء سلسلة من الاتصالات وخاصة فترة عيد الفطر السعيد وقبله، مخاطبة جميع الهيئات الرسمية والأهلية طالبة الضغط على ادارة البنك للتراجع عن قرار النقل المجحف وتعويض المستخدمين حيث لاقت تلك الاتصالات الصدى الايجابي كعمل وطني يصون الحقوق العمالية». كما كتبت النقابة الى وزير العمل جميل حميدان والوكيل صباح الدوسري والوكيل المساعد لشئون العمل محمد الانصاري وخاطبتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأجرت العديد من الاتصالات الهاتفية مع السفارة السعودية (مكتب القائم بالأعمال رياض سعود الخنيني)، ومكتب الرئيس التنفيذي بمجلس التنمية الاقتصادية والجمعية المصرفية بالبحرين برئاسة عبدالرزاق القاسم، كما خاطبت النقابة عبر الحساب الشخصي لرئيسها وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي (التويتر) حيث طلبت تدخل الخارجية البحرينية للاستفسار عن سبب سحب وتحويل هذه الاستثمارات السعودية المصانة وفق القوانين المحلية الى الظهران، وما يشكله من عبء يومي على كاهل المستخدمين، مؤكدة النقابة على مواصلتها وتكثيف اتصالاتها واجتماعاتها إثباتاً للحق العمالي. وأعربت نقابة المصرفيين عن أملها «من جميع الموظفين في بنك الخليج الدولي وخاصة المتضررين منهم وحتى الموقعين على العقود الجديدة (السعودية) حضور مجلس وزير العمل أول يوم عمل بعد العيد في وزارة العمل ومخاطبة نوابهم لوضعهم في صورة أوضاعه المهنية والعمالية، وكي نضع النواب أمام مسئولياتهم التاريخية بهدف حماية حقوق العامل البحريني، والالتفاف حول نقابة المصرفيين والعمل تحت لوائها بشكل جماعي مع الابتعاد عن الأعمال الفردية وردود الأفعال المنفعلة».
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3993 - الثلثاء 13 أغسطس 2013م الموافق 06 شوال 1434هـ

بريطانيا تدرس اتخاذ إجراءات ضد إسبانيا بسبب جبل طارق

بريطانيا تدرس اتخاذ إجراءات ضد إسبانيا بسبب جبل طارق

سفينة بحرية بريطانية في طريقها لجبل طارق - AFP
لندن - يو بي آي 
تدرس الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسبانيا رداً على فرضها تدابير إضافية على عمليات التفتيش على الحدود مع جبل طارق. ونسبت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى متحدث باسم مكتب رئاسة الحكومة البريطانية (10 داوننغ ستريت) قوله أمس الإثنين (12 أغسطس/ آب 2013) إن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون «يشعر بخيبة أمل شديدة بسبب فشل إسبانيا في وقف إجراءات التفتيش خلال عطلة نهاية الأسبوع على الداخلين والخارجين من وإلى جبل طارق».
وأضاف المتحدث أن الاجراءات القانونية «لم يسبق لها مثيل، وستتخذها بريطانيا من خلال الاتحاد الأوروبي»، رداً على الإجراءات التي فرضتها إسبانيا على الحدود مع جبل طارق، والتي وصفها بأنها «غير متناسبة وذات دوافع سياسية».
وقال «في حال قررنا السير في هذا الطريق، سنضغط على الاتحاد الأوروبي لمتابعة هذه القضية كمسألة ملحة واتخاذ الإجراءات المناسبة». وجاءت الخطوة البريطانية رداً على اعلان الحكومة الاسبانية عن أنها تدرس نقل خلافها مع لندن حول جبل طارق إلى مجلس الأمن الدولي. وتدهورت العلاقات بين جبل طارق واسبانيا في الأشهر الأخيرة بسبب خلاف حول مناطق صيد الأسماك، وتشديد الأخيرة إجراءات التفتيش على الحدود، وإعلانها عن خطط لفرض ضريبة مقدارها 43 جنيهاً استرلينياً على المركبات العابرة للحدود، وتهديدها باغلاق مجالها الجوي أمام الرحلات المتوجهة إلى جبل طارق.
وترفض اسبانيا سيادة بريطانيا على جبل طارق، الواقع على الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة الإيبيرية، والذي تحكمه بريطانيا منذ عام 1713. وأعلنت لندن أن سفناً حربية ستبحر من انجلترا إلى المتوسط للمشاركة في مناورات، في خطوة تأتي في أوج توتر مع إسبانيا بشأن جبل طارق حيث سترسو فرقاطة بريطانية. وقالت وزارة الدفاع البريطانية إن الفرقاطة «اتش ام اس ويستمينستر» ستبحر الثلثاء إلى المنطقة البريطانية الواقعة في جنوب شبه الجزيرة الإيبرية حيث ستصل خلال الاسبوع الجاري.
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإسبانية أن مدريد «لن تتخلى» عن عمليات المراقبة على حدود منطقة جبل طارق البريطانية، وذلك بعد إعلان لندن أنها تفكر في القيام بعمل قانوني ضد إسبانيا.
وقال ناطق باسم الخارجية الإسبانية إن «ما نقوله هو أن إجراءاتنا وعمليات المراقبة قانونية ومناسبة. نحن مضطرون لذلك من أجل شنغن» إذ إن جبل طارق تابعة لبريطانيا ولا يشملها مجال شنغن. وأضاف «لن نتخلى عن ذلك».
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3993 - الثلثاء 13 أغسطس 2013م الموافق 06 شوال 1434هـ

الأحد، 11 أغسطس 2013

مراعاة حقوق الآخرين طريقنا للمعاصرة

مراعاة حقوق الآخرين طريقنا للمعاصرة
رؤى من أفكار الامام الشيرازي
 
شبكة النبأ: يقول العارفون، مصلحون ومفكرون وفلاسفة، أنك عندما تراعي حقوق الآخر، إنما تقوم بحماية حقك أنت في حقيقة الامر، ويفسر المفكرون هذا الرأي بالقول، أن مراعاة حقوق الآخر، إذا شكلت منهجا لحياة الامة والمجتمع، فإن الجميع يحفظ حقوق الجميع ويرعاها، وبذلك لا يحدث أي تجاوز على الآخر، حيث يحرص الانسان الفرد والجماعة على انصاف الآخرين ومراعاة حقوقهم، وتكون العملية متبادلة، فتسود ثقافة مراعاة حقوق الآخر، وتصبح مهجا تلقائيا ينظم حياة المجتمع بصورة آلية وآنية أيضا.
لهذا يؤكد المعنيون بحماية الحقوق، أن عدم شعور الانسان فردا او جماعة، بحقوق الآخر، تؤدي الى سقوطه، فإذا كان ذا منصب كبير سيخسر منصبه، واذا كان ذاك تأثير على المجتمع سيخسر هذا التأثير، واذا كان ذا سلطة سيخسرها ايضا، وهكذا فإن كل من ينسى شرط حماية حقوق الآخر سوف يتعرض للفشل والسقوط، حتى الاحزاب والحركات وما شابه.
المصلح الكبير، الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يؤكد في كتابه القيّم، الموسوم بـ (ثقافة التحرير) قائلا في هذا المجال: (إنّ من أهم ما يسقط الحركات عدم مراعاتهم للحقوق، وعدم ملاحظتهم حدود أنفسهم وحدود غيرهم، فكم هو حدّ نفسه؟ وكم هو حدّ سائر الناس؟).
ظهور بوادر الوعي
من المتفق عليه، أن اية أمة لا يمكنها تحقيق التقدم، ما لم تتشبث بالوعي وتنمي طاقات المجتمع وكفاءته، لذلك مع استفحال موجة الظلام التي طالت تواجد المسلمين وأشبعت عقولهم ولونت سلوكهم، كان لابد من تنمية الوعي من جديد، واستنهاض الامة من سباتها، ولا يمكن ان يحدث هذا من دون حركة فكرية قوية تنشر الوعي بين الجميع، وفق خطط مدروسة ومنتظمة، لأن حفظ الحقوق لا يمكن أن يتحقق بعيدا عن الوعي.
يقول الامام الشيرازي بكتابه نفسه عن هذا الموضوع: (لقد ظهرت بوادر الوعي شيئاً فشيئاً في المسلمين، وذلك منذ قرن بالرجوع إلى الاستقلال عن الخارج، والشورى ونبذ الاستبداد في الداخل).
ومع ذلك تبقى قضية مراعاة الحقوق شائكة ومعقدة، وتابعة للسلوك الفردي والتربية التي يتلقاها الانسان في عائلة وبيئته، وقد اسهمت حالة إهمال حقوق الاخر التي بدت كأنها ظاهرة شائعة بين المسلمين، أسهمت في تأخر المسلمين عن غيرهم من المجتمعات، لأن معظم الناس يفكرون اولا بأنفسهم ومصالحهم، ولا يهتمون بحقوق الآخرين ومصالحهم، والجميع يتصرف وفق نزعة الاستحواذ، والجشع، بغض النظر عن النتائج الكارثية التي يلحقها هذا السلوك في المجتمع، لذا فإن الغالبية لا يفكر كيف يتحاشى التجاوز على حقوق الاخر.
يقول الامام الشيرازي في هذا المجال بكتابه المذكور نفسه: (لذا نرى كثيرا من الناس ـ إلاّ من عصمه الله سبحانه ـ لا يلاحظ حق الآخرين، بل يزعم أن الكلّ حقه وكل المجالات مجاله، وبذلك يلفظهم المجتمع فتراهم بعد خمسين سنة من العمل ليس لهم إلاّ مجال صغير أصغر من مجالاتهم الواقعية مرات ومرّات).
إن الخطر كل الخطر يكمن في مثل هذه الرؤية الخاطئة، حيث يرى الانسان انه صاحب الحق دائما، ولا يشعر بأي تجاوز لا يرعى حقوق الآخر، بل يبيح لنفسه قياس الحد الفاصل بين الباطل والحق، وفقا لمصالحه ومنافعه هو، أما القضايا والامور التي تتعارض مع مصلحته، فهو لا يعترف بها، ولا يعيرها الاهتمام، حتى لو شكلت خرقا واضحا لحقوق الآخرين.
أهمية المؤتمرات لنشر الوعي
من الامور المتفق عليها، أهمية اقامة المؤتمرات، من اجل نشر الوعي بين عامة الناس، وتعميق قضية احترام حقوق الناس ومراعاتها في شتى مجالات الحياة، واذا كان الامر يتعلق بالحريات المدنية والحقوق السياسية، فهناك بالاضافة الى المؤتمرات، اسلوب المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، الى تتحقق اهداف الشعب، والى أن يتم انصاف الفقراء والمحرومين، بسبب عدم مراعاة حقوق الناس بعضهم لبعض، أو الحاكم للمحكوم.
يقول الامام الشيرازي في هذا المجال بكتابه المذكور نفسه: (بعد هذا الوعي يحتاج الأمر إلى المؤتمرات الكثيرة، ومراكز الدراسات المتعددة، ثم الإضرابات والمظاهرات السلمية، وبدون هذه الأمور الثلاثة: الوعي والمؤتمرات والإضرابات والمظاهرات السلمية. من غير الممكن عادة حسب الموازين الطبيعية، نجاة المسلمين من التخلّف الذي يغوصون فيه إلى أذرع فوق رؤوسهم).
اما بخصوص تعميق مراعاة حقوق الآخر، فإن الامر يحتاج الى انصافهم ايضا، سواء الافراد والجماعات بعضهم لبعض، أو انصاف السلطة للشعب، لأن الانصاف يمس حماية الحقوق وصيانتها ايضا، بمعنى اذا غاب الانصاف، يتم التجاوز على الحقوق، وتصبح هذه العملية متبادلة بين الجميع وقد تتحول الى ظاهرة، لهذا لابد أن تنصف الآخر كما تنصف نفسك تماما.
لذا يؤكد الامام الشيرازي قائلا حول هذا الموضوع: (لقد ورد أنّ من أشد الأشياء: إنصاف الناس من نفسك، فلك النصف ولغيرك النصف، ولا يراد النصف الهندسي بل النصف العرفي العدلي).
وفيما يتعلق بالجانب السياسة وتجاوز السلطة على حقوق الشعب، فإن هذه القضية تكاد تشكل ظاهرة واضحة جدا، في الدول المتأخرة، ونقصد بها دول العالم الثالث، ومن بينها مجتمعاتنا الاسلامية والعربية، حيث تسيء السلطة السياسية لشعبها، من خلال هدر الحقوق المدنية والخدمية وما شابه.
إذ يشير الامام الشيرازي الى هذه الصورة بوضوح، فيقول في هذا الصدد: (أما في العالم الثالث فالغالب أنّ الحزب الواحد إذا لم يجد السلاح والسلطة يأخذ في سبّ الناس وإهانتهم والابتعاد عنهم ونسبتهم إلى الخرافة والجمود والجهل وألف منقصة ومنقصة، فإذا وجد السلاح والسلطة استبد بالأمر وأخذ بيده السجن والسلاح والإعلام وبدأ يكلّم الناس بمنطق القوّة لا بقوّة المنطق، وقد خفي عليه: أنّ من قتل الناس قُتل ومن أهان الناس أهين، ومن صادر أموالهم وسجنهم صادروا أمواله وسجنوه، ولو بعد حين، وهذا ما أثبتته التجارب ودل عليه التاريخ).
شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 8/آب/2013 - 30/رمضان/1434

الأربعاء، 7 أغسطس 2013

ثمة أسباب للقلق من تصرفات الجيش

ثمة أسباب للقلق من تصرفات الجيش

”على الرغم من تأييدي للموجة الثورية في 30 يونيو، وعلى الرغم من حقيقة انها كانت حركة شعبية قبل ان تكون تدخلا عسكريا، الا انني ارى ان هناك الكثير الآن الذي يدعو للخوف. انني أخشى من انتفاضة ضد مبادئ ثورة 25 يناير والانتهاك المتواصل لحقوق الانسان وتوسيع الاجراءات القمعية باسم الحرب على الارهاب...”
ـــــــــــــــــ
في هذا الربيع، شاركت في الحملة الشعبية التي نظمتها حركة تمرد احتجاجا على حكومة الرئيس المصري محمد مرسي. وجمعت حركتي وهي حركة شباب 6 ابريل اكثر من مليوني توقيع من الشعب سعيا الى سحب الثقة من مرسي والدعوة الى انتخابات رئاسية جديدة. كما شاركت ايضا في احتجاجات 30 يونيو ضد النظام وفي اغلب انشطة الموجة الثورية الجديدة. ولم لا؟ فقد فشل مرسي وحكومته في خدمة الشعب. فقد منحناه ثقتنا وتأييدنا وكل ما حصلنا عليه مقابل ذلك هو انقلاب ضد اهداف الثورة وإعادة انتاج لسياسات حسني مبارك.
عندما كان في السلطة ارتكب مرسي والاخوان المسلمون العديد من الاخطاء التي اغضبت وشجعت الجماهير على العمل على الاطاحة به. ولهذا السبب من الصعب التعاطف معهم الآن، وخاصة لانهم يحرضون على العنف ويظهرون العناد بشكل مستمر. وحتى اليوم، وفي الوقت الذي نسعى فيه الى حلول وسط والانخراط مع الاخوان، لا نجد أي استعداد من جانبهم للاعتراف بأي اخطاء او التفاوض على حلول وسط. ويصرون على الاشتراط على إعادة مرسي رئيسا قبل إجراء أي مفاوضات، على الرغم من حقيقة ان قليلين خارج الاخوان يمكن ان يقبلوا بهذا الشرط تحت أي ظرف من الظروف.
ومع كل ذلك، فثمة اسباب للقلق البالغ من تصرفات الجيش المصري. فقد تأسس تأييدنا لخارطة الطريق الانتقالية لاجراء انتخابات جديدة على تعهد الجيش بأنه لن يتدخل في الحياة السياسية. لكن الدور المتزايد الذي نشهده للجيش في العملية السياسية يثير القلق.
كما ان تصاعد الخطاب السياسي المثير للكراهية في وسائل الاعلام ضد الاخوان المسلمين والليبراليين يثير قلقي بشكل كبير. فالخطاب السياسي الذي يشجع على إبادة فصيل سياسي كامل أو يدعو إلى سجن أعضائه، بغض النظر عن آرائهم، غير مقبول تماما. فقد رفضنا معاملة أعضاء نظام مبارك بهذه الطريقة عقب الاطاحة بهم من السلطة. فكيف يمكننا تأييد مثل هذه المعاملة للاخوان المسلمين الآن؟ زد على ذلك اني لا استطيع قبول ذلك، ومرة أخرى، فإن الحكومة تمارس رقابة على وسائل الاعلام تحت ذريعة الحرب على الارهاب. وبناء على تجاربي السابقة مع الجيش ـ فقد تم اعتقالي وضربي لنشاطي السياسي في 2008 ـ فإنني لا استطيع تأييد ذلك بل أخشى من انه قد يتم اتهامي بالارهاب إذا انتقدت النظام الجديد.
لا يمكن لاحد ان يدافع عن الاخطاء التي ارتكبها مرسي او الاخوان. لكن أليس من حقي ان اتساءل، بقلق بالغ، عن قتل اكثر من 100 من انصار مرسي، كثير منهم بطلقات رصاص في الرأس والصدر؟
على الرغم من تأييدي للموجة الثورية في 30 يونيو، وعلى الرغم من حقيقة انها كانت حركة شعبية قبل ان تكون تدخلا عسكريا، الا انني ارى ان هناك الكثير الآن الذي يدعو للخوف. انني اخشى من انتفاضة ضد مبادئ ثورة 25 يناير والانتهاك المتواصل لحقوق الانسان وتوسيع الاجراءات القمعية باسم الحرب على الارهاب ـ خشية ان تصنف السلطات أي معارض لها على انه ارهابي.
أحمد ماهر* مؤسسة حرة شباب 6 ابريل خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص "الوطن"

المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تحتاج إلى دعم عام

المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تحتاج إلى دعم عام

” اننى أذكر كيف بعد توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993، وحتى قبل أن يجف الحبر، نشط حزب الليكود شبكاتهم في الولايات المتحدة ودفعوا الكونجرس لتمرير تشريعات تأتي بالسلب على أي برنامج للمساعدات الفلسطينية، والتي كانت كفيلة بخلق الثقة لدى الفلسطينيين في هذه العملية،”
------------
هناك الكثير من الأسباب تجعلنا نرتاب في دوافع وزير الخارجية الاميركية جون كيري لاستئناف محادثات السلام الاسرائيلية الفلسطينية. فهذه الشخصيات المشاركة والسياسة المعنية لا توحي بالثقة المطلقة على الفور.
ومع ذلك، افضل الا اكون سلبيا، لانه طبيعي من السهل دائما الجلوس في موقع المتفرج، لكني انظر إلى الأهم من ذلك وهو أن السلام أمر ضروري جدا لحياة ومستقبل شعوب المنطقة كما انه امر ضروري للإبقاء على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، لذا فأي جهد حسن النية يستحق الدعم وفتح المجال امامه للنجاح.
لقد أصر كيري على ان المحادثات تعقد في القطاع الخاص مع عدم وجود اي تسرب حولها للإعلام منعاً للضجيج، أوالتأويل"
وفي الوقت الذي نعتقد انه من المنطقي حماية المفاوضات من الضغوط التى لا هوادة فيها من وسائل الإعلام وغيرها من أشكال التدخل الخارجي، فإننا لدينا ايضا تحفظات.
هناك علاقة وثيقة بين الرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني ونجاح أي مفاوضات سلام في النهاية، مهما كانت ذكية أو رتبت بمهارة لا بد ان تجتاز اختبار القبول من كلا الجانبين.
وعندما اجرينا استطلاع للرأي العام الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء من أجل رؤية أين يمكن العثور على حل وسط، فإن جهودنا تكاد تكون غير مثمرة ذلك لأنه في كثير من الأحيان نجد أن معظم الإسرائيليين يشيرون إلى وجود رغبة في ان يحصل الفلسطينيون في أي اتفاق سلام على أقل بكثير من الحد الأدنى من المتطلبات الفلسطينية لتسوية عادلة.
وبالتالي يؤثر ذلك فى النظر الى معالجة كل قضية لا كمجرد مشكلة صغيرة يتعين حلها، ولكن كمسألة يجب ان تحظى في نهاية المطاف بقبول الرأي العام في بلدانهم.
وهذا ما دفع كلا القيادتين الإسرائيلية والفلسطينية لإعلان تقديم نتائج المفاوضات للاستفتاء الشعبي، وهذا يجعل من الواضح أنه يجب أن يكون كلا المجتمعين على استعداد لتأييد أي ترتيب لحل وسط من أجل السلام.
وأي تجاهل للدور الحيوي الذي سيقوم به الرأي العام في هذه العملية، يمكن أن يحكم على كل الجهود من البداية بالفشل.
ان السلام، مثل أي تسوية سياسية، يجب أن يرتكز على ما هو ممكن تحقيقه ، وكما أشرت، لدينا الاستطلاع السابق الذي يوضح انه في هذه المرحلة، لا يبدو هناك سلام ممكن.
وفي موازاة المفاوضات، يجب ان يكون العمل الحقيقي الذي يجب القيام به هو توسيع نطاق ما هو ممكن تحقيقه من خلال تغيير المواقف العامة (المتصلبة) لدى كلا الجانبين.
ويصبح هذا الكلام حتميًّا عندما نرى كيف ان أي علامة على حدوث تقدم تجعل معارضي السلام يبدأون على الفور جهودهم لتسميم البئر (مناهضة السلام) لدى الرأي العام .
انني أذكر كيف بعد توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993، وحتى قبل أن يجف الحبر، نشط حزب الليكود شبكاتهم في الولايات المتحدة ودفعوا الكونجرس لتمرير تشريعات تأتي بالسلب على أي برنامج للمساعدات الفلسطينية، والتي كانت كفيلة بخلق الثقة لدى الفلسطينيين في هذه العملية، وكيف عمد آرييل شارون عقب توقيع "اتفاقية واي ريفر" في واشنطن، والذي كان يعارض الاتفاقية، إلى دفع مؤيديه لاحتلال قمم التلال من أجل تأسيس حواجز متقدمة لحماية المستوطنات في المناطق الحساسة من الضفة الغربية. أو كيف أن منظمة "حماس" كانت تستجيب لكل خطوة متقدمة في عملية السلام بتصعيد حملة العنف ضد إسرائيل في محاولة منها لتأخير العملية خطوة إلى الوراء عن طريق إحراج القادة الفلسطينيين وبثّ الرعب والخوف وعدم الثقة بين الإسرائيليين.
يمكننا أن نكون على يقين من أن معارضي السلام سوف يكونون نشطين هذه المرة، كذلك. وحتى مجرد قراءة عارضة للصحافة والتعليق السياسي لدى كلا الجانبين يجعل هذا اليقين واضحا جدا جدا.
فعلى سبيل المثال ننظر الى الهستيريا التي انشأها الاعلام في إسرائيل حول اتفاق الحكومة لاطلاق سراح 104 سجناء فلسطينيين ممن عليهم احكام طويلة الامد .
حقيقة إذا ما تركت هذه الافعال بلا مواجهة فإن مثل هذا الاسلوب الصارم الذي يقوض بناء الثقة قد يؤدي الى تخريب العملية كلها .
والسؤال هو، هل أولئك الذين يؤيدون اتفاقا هم على استعداد لمواجهة مثل هذه التحديات الجديدة؟ وهل سيكونون قادرين على تعويض ما فقدوه بسبب الفشل وعقود من العداء وعدم الثقة؟
ولذا فإننا يمكن أن نتفق على أن المفاوضات التي يقودها كيري يجب أن تكون سرية، ولكن إلى جانب هذا الجهد من قبل الولايات المتحدة، فإنه يتحتم على القيادة الإسرائيلية والفلسطينية أن يقبلوا تغيير الخطاب العام وتحدي معارضي السلام.
وهنا هو المكان والوقت الذي يمكن فيه للرئيس أوباما أن يلعب دورا حاسما خاصة وقد كان خطابه في القاهرة وزياراته في الآونة الأخيرة وتصريحات في القدس ورام الله مهمة، ولكن هذه الخطابات لا يمكن أن تكون نهاية تدخله في العملية.
ان الإسرائيليين والفلسطينيين بحاجة إلى أن نقدم لهم رؤية لمستقبل بديل، واحد مغر ومقنع.
إنهم في حاجة إلى هذه الرؤية المستقبلية بحيث يمكن أن يتقبلوا نتائج المفاوضات وما تحمله من أمل، أو فشلها وبقاء الواقع السيئ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن للرئيس اوباما أن يكون الممثل الوحيد في هذا الجهد، بل يجب على أولئك الذين يتبنون مستقبلا مختلفا وأفضل للإسرائيليين والفلسطينيين ان يعملوا معا ويعززوا من عزمهم على مواجهة أولئك الذين يعارضون السلام.
وهناك خطوة أولية يمكن للرئيس اتخاذها وهي عقد اجتماع للأميركيين العرب واليهود الذين يدعمون السلام لحثهم على العمل معا لدعم التوصل إلى حل عادل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وإذا ما أتت المفاوضات ثمارها وإذا كان المنتج من هذه الجهود هو أن يكون هناك فرصة للنجاح، يجب أن تحظى بقاعدة داعمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين. وحتى ينجح السلام، لا بد أن تتوفر الإرادة التي تعمل لتحقيق السلام.
ان جهود السلام التي استؤنفت برئاسة الوزير كيري قد تنجح وقد لا تنجح ، وإذا نجحت فإنه لن يكون لأن المفاوضين وحدهم استطاعوا ذلك بل لان المجتمعين من الاسرائيليين والفلسطينيين كانوا على استعداد لقبول نتائج جهودهم.
وإذا ما فشلت في التوصل إلى اتفاق، فإن ذلك بسبب عدم الثقة والخوف، وعلى ذلك فإننا لن نحصل على فرصة أخرى، لجيل على الأقل، لتجد طريقها إلى الأمام نحو السلام في الأرض المقدسة.
وهذا هو السبب في أنه من المهم جدا لان يتعاون كلا المجتمعين، والأميركيين الذين يؤيدون السلام قبل ما يكون لمعارضي السلام اليد العليا . 


د.جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأميركي

نحتاج إلى مبادرات مسؤولة شجاعة

نحتاج إلى مبادرات مسؤولة شجاعة

”إن التطورات الأخيرة للحوادث والعمليات العسكرية والمواجهات الدموية على أرض سوريا العربية التي يتناوش هويتها ووحدتها أرضاً وشعباً ومبدئيتها الأقربون والأبعدون، تناوش الوحوش للفرائس، لا تنبئ بالكثير مما يمكن أن تطمئن إليه النفس وتبني عليه تفاؤلاً بثقة يشير إلى قرب نهاية الأزمة..”
ــــــــــــــــ
غادرنا رمضان الكريم مثقلاً بدمنا وألمنا وشكوانا وأدعيتنا ومطالبنا التي كنا نصدع بها آناء الليل وأطراف النهار ونتوجه بها إلى الله القدير في هذا الشهر الفضيل، غادرنا رمضان وأتى علينا العيد، عيد الفطر المبارك، بغير جديد يسر عرباً ومسلمين كثيرين في أنحاء شتى من العالم.. فمن بلاد الشام إلى بلاد الروهينقا، مروراً بالعراق وأفغانستان وفلسطين ومصر يغص المشهد بألوان الدم والدخان، وبالقتل والحرائق وبيارق الفرق المتناحرة.. وتضج الأنفس بالشكوى من أشكال الظلم والقهر والجوع والرعب، ومن انحطاط أخذ يتفشى ويتفتق عن مكائد وسموم في سياسات وكتابات ووسائل إعلام بلغ بعضُها درجات من التحلل والانحلال والتهافت والتهالك على الصغائر والمهالك.. تشعر معها بأن عالمنا العربي على الخصوص وبعض جواره الإسلامي لم يعد فيه سوى هذه المستويات المتدنية من السقم الفكري والسفاهة اللفظية والانحدار ورسوم الأدعياء و "عملقة" الدعاة من كل نوع: من دعاة الحروب المذهبية والطائفية والعرقية إلى دعاة الاستعمار والصهيونية والحزبيات الضيقة والأيديولوجيات الغريبة المريبة، ومن دعاة الشرذمة والتقسيم السكاني والجغرافي، والفيدراليات السياسية الهزلية.. وكل من ذلك وأولئك يعيدنا عهود ـ "ما قبل عقلانية وما قبل جاهلية وما قبل حضارية..؟!"، ويضاف إلى ذلك دعاة بمعاول صلف وجهل يريدون هدم صرح العروبة التي يتهمونها بما لا يصدق ولا يطاق، وهدم الإسلام المحمدي الصحيح ومحاولة تشويه صورته النظيفة الناصعة، ونقض معمار قيمه ومقوماته وتسامحه ونقائه البهي، والعمل على جعل المسلمين في " دينين" والعياذ بالله، دينين يتكلم عنهما دعاة.. "دين السنة ودين الشيعة"؟! وما الكل، سنة وشيعة، إلا من دوحة الإسلام الواحد الذي جاء للناس كافة، ودخله من دخله على أساس من الإيمان بالله وكتبه ورسله وملائكته وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وباليوم الآخر، يوم نشور وحساب تُجزى فيه كل نفس بما كسبت، وعلى أساس التزم المسلم بأداء الفرائض والعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وتجنب المعاصي ما ظهر منها وما بطن، وفق الشريعة وفقه العبادات والمعاملات.. أما المذاهب ففقه واجتهاد رجال مخلصين لم يكن همهم تفريق المسلمين بل سعي مخلص لفهم الدين وتطبيق ذاك الفهم بما لا يخرج مسلماً من الدين.. وهناك سعى قائم ومستمر بين العلماء والفقهاء والعقلاء والحكماء من المسلمين المؤمنين العارفين للتقريب بين تلك المذاهب، ونبذ للخلاف والاختلاف.. وليس سعيهم ذاك إلى تحويل الاختلاف المذهبي إلى تكفير وتدمير، وخوض حرب بين المسلمين على أسس يقال إنها "دينية" وما هي في حقيقة الأمر إلا بسبب خلافات واجتهادات تتصل بأمور سياسية واجتماعية ودنيوية مزمنة غذاها من غذها بحماسة وعصبية، وأضفى عليها البعض صبغات دينية فجعلها تطرفاً وقنابل موقوتة، وأحالها تكفيراً وسواطير وسيول دم وجهل جاهلي.؟!! وهذا السطح الذي يظهر للعالمين اليوم ويتلامع ربما دل على قمة جبل الجليد من مآسينا المتعددة الألوان والأسباب، وعلى عمق الانحطاط والانحلال والانفلات الذي بلغناه وأوصلتنا إليه سياسات ومؤامرات ومصالح وثقافات ووسائل إعلام ومشيخات ودعاة.
مضى رمضان المبارك ويمضي وراءه العيد "السعيد"، وبقي لنا ما نحن فيه، وما علينا أن نتجرع صابه ونعاني عذابه، نسوِّغ حلوه ومره، فمر حلو بذوق فريق وحلوه مر بذوق آخر، ومصائب قوم عند قوم فوائد؟!.. وهكذا هم الخلق في الحروب يتساقون كؤوس الردى ويتبادلون سداد ثارات الدم والأيام دول "يوم لك ويوم عليك".. ولكنها بمجملها أيام ترتد علينا نحن العرب والمسلمين وبالاً وضعفاً ونكالاً، وترتد كذلك على بلداننا وأمتنا الإسلامية وعلى الدين الإسلام، وعلى القيم وما قد يتبقى للأجيال العربية القادمة على الخصوص من وجود وحقوق وأمل.
إن التطورات الأخيرة للحوادث والعمليات العسكرية والمواجهات الدموية على أرض سوريا العربية التي يتناوش هويتها ووحدتها أرضاً وشعباً ومبدئيتها الأقربون والأبعدون، تناوش الوحوش للفرائس، لا تنبئ بالكثير مما يمكن أن تطمئن إليه النفس وتبني عليه تفاؤلاً بثقة يشير إلى قرب نهاية الأزمة.. صحيح أن سوريا لا يمكن أن تخسر أو تنهزم أو تستسلم، ولكن أزمتها الخانقة ستطول وترتفع تكاليفها، وتورث الكثير من الأحقاد والأزمات الصغيرة المتنوعة التي ستحتاج إلى جهد ووقت وتكاليف لمعالجتها.. فعلى صعيد الحل السياسي عبر مؤتمر جنيف2 نجد أن التحرك البطيء يمر بضبابية وتكتنفه أنواء السياسة الدولية وعواصفها وصراعاتها وحساباتها، لا سيما فيما يتعلق بدول وقضايا وملفات ومصالح متداخلة، وبأزمات ذات ارتدادات عنيفة على المنطقة مثل الأزمة في مصر وبلدان أخرى في المنطقة العربية ـ الإسلامية المتجاورة، الأمر الذي يجعل الاعتماد على المؤتمر، حتى في حال انعقاده، لا يسفر عن وقف للعنف، وحقن للدم، وخلق مناخ ثقة متبادلة تؤدي إلى التقارب والتفاهم والتعاون، وسلوك طرق الحل السلمي لكل متعلقات الأزمة السورية بنوايا طيبة وحرص على تحكيم المصالح العليا للشعب السوري في مجريات الحوار.. فالثقة مفقودة، والرؤوس الحامية تملك السلاح وتوعَد به وتحرك، ولا يوجد من يقبل الآخر في العمق بصدق، لأسباب عديدة أولها وأعمقها وأكثرها تأثيراً أن كثيرين من " اللاعبين السوريين" في المعارضة، لا سيما الخارجية والمسلحة منها، قرارهم ليس بأيديهم، وصوتهم ليس من رؤوسهم، وتشدهم منافع وأحلام وهواجس، ومن يحركونهم لم يصلوا بعد إلى درجة اليأس التام من المعركة ومن الأدوات.. وهم ومن يحركونهم يعبثون بدم وحياة من هم أدوات على الأرض بينما يقيمون حيث هم بأمن وراحة، وعلى الأرض السورية الكل يستهدف الكل، والشعب ضحية والبلد ضحية، والإنسان أضحى سلعة ووجعه تجارة، والكلام باسمه درجة على سلم الوصولية الطويل.
وعلى صعيد التطورات في أرض المواجهات الدامية نجد أننا أمام معطيات ومتغيرات جديدة في كثير من الأوقات، والمتغيرات تخلق متغيرات، وندخل شيئاً فشيئاً من متاهة إلى متاهات.. ففي الوقت الذي يتقدم فيه الجيش العربي السوري بثقة في مواقع عدة ويسيطر ويمهد لعودة مخدرين، لا سيما في ريف دمشق وفي حمص وريفها، ويستمر في مواجهة المسلحين الذين يمتد طيفهم من القاعدة والنصرة وجيش الخلافة الإسلامية إلى كتائب ما يسمى "الجيش الحر" التي يعادي بعضها القاعدة والنصرة وجيش الخلافة، وينذرها هو رسميًّا بمغادرة الأراضي السورية.. تُفتح جبهات ذات طابع طائفي "مذهبي" في منطقة اللاذقية ضمن إطار ما يسميه المسلحون حرب "تحرير الساحل السوري"، وتُفتَح أخرى ذات طابع عرقي في الشمال الشرقي من سوريا المحاذي للحدود العراقية والتركية مع الأكراد لإقامة ما يعرف بدولة الخلافة الإسلامية. وهذان التطوران خطيران من حيث الدلالة المذهبية والعرقية.. فضلاً عن سلسلة الدلالات الأخرى: السياسية والاجتماعية والثقافية.. إلخ. وفي إطار هذين التطورين الخطيرين، وما يجري ضمنهما ولتحقيق أهداف القائمين بهما من معارك، يتم: تحشيد الأكراد كقومية، وليس أكراد سوريا فقط، ضد النصرة ودولة الخلافة الإسلامية في الشمال الشرقي لسورية وتدور معارك هناك، كما يتم تحشيد النصرة و"الجيش الحر" وفصائل مسلحة أخرى، باتفاق بين تركيا والائتلاف، لتصعيد الحرب في منطقة اللاذقية لتحقيق ما يسمى: "تحرير الساحل السوري"، وفي هذا الإطار يهرع كثيرون من أبناء قرى الساحل لمناصرة ذويهم.. وقد وقع كثير من القتلى بين الأطراف المعنية بالصراع في تلك المناطق، وسقط مدنيون كثر ضحايا المعارك، وأُخذ آخرون أسرى ورهائن من قبل الطرفين، وتُحاصَر هناك في المنطقتين قرى وبلدات، ويعاني الناس من البؤس والجوع والإرهاب والقتل شر الويلات.. إلخ، الأمر الذي ينذر بتوسع المعارك على أسس عرقية وأخرى مذهبية بصورة صريحة، ويفتح ملفات تحالف طوائف وقوى ودول على أسس جديدة.. فتركيا التي ترى أن سوريا حركت الأكراد ضدها، لا سيما حزب " p.k.k" في مناطق رأس العين وتل أبيض على أسس عرقية، تحرِّك عناصر متداخلة التكوين والأغراض بالتعاون مع الائتلاف ضد سوريا في منطقة اللاذقية على أسس مذهبية.. أما العراق الذي بدأت تعود إليه من سوريا عناصر من القاعدة والنصرة ودولة الخلافة الإسلامية أو تتحرك ضمن جغرافيته كامتداد استراتيجي لها ولتحركها ومشروعها، وتكثر فيه عمليات التفجير والملاحقات العسكرية والأمنية فقد اتفق مع البرزاني على إرسال البيشمرقة الكردية لتشارك في العمليات العسكرية مع الجيش العراقي ضد القاعدة والنصرة ودولة الخلافة الإسلامية، بعد أن كانت البشمركة تحارب ضد جيش العراق أو تقف ضده في مواقف عدة ترسيخاً لسلطة الإقليم.. وذلك أتى بعد المواجهات التي حصلت بين الأكراد وبين جبهة النصرة وجيش دولة الخلافة ومن شاركهما القتال ضد الأكراد في معارك رأس العين وتل أبيض وقراهما ومنطقة عفرين شمال حلب. وعلى هذا بدأت دائرة المواجهات تتسع وتكتسب صبغة مذهبية أو عرقية معلنة، ويكون لها تفاعلاتها وانعكاساتها البعيدة المدى لاحقاً.
إن مفاعيل هذه التطورات والمستجدات لن تغير في نوعية المواجهات ومستواها فقط بل سيمتد تأثيرها ليشمل العلاقات السياسية والتدخلات الأمنية والعسكرية المعلنة أو شبه المعلنة من أطراف دول عربية وإسلامية أخرى معنية بما يدور في سوريا. وهذا ما يحملنا على القلق من تدهور الأوضاع بصورة أكثر وتوجهها نحو أزمات بل حروب.. وهو ما تم التنبيه لخطورته مراراً وتكراراً منذ بداية الأزمة في سوريا.
هناك مسؤولية سياسية وخُلُقية ودينية واجتماعية على القادة السياسيين والروحيين في بلدان عربية وإسلامية محددة ومعنية بالأزمة السورية وعقابيلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهؤلاء قادرون، إن هم أخلصوا النية ورعوا حق الله والناس وفي أنفسهم وبلدانهم ودينهم.. قادرون على لجم هذا التوجه المدمر، بالاتفاق على منع الفتنة المذهبية والعرقية بأي ثمن ومهما كانت النتائج. ويبدأ عملهم في هذا الاتجاه بمبادرة شجاعة ومسؤولة من قائد له احترام ومكانة ومهابة وقدرة على التأثير، قائد معني يبدأ بلجم نفسه عن البغي والغي - والنفس أمارة بالسوء - ليجعل غيره يقف عند حدود الله ومنفعة الناس ومصالح البلدان، وليمنع الكل من الانجراف باتجاه الهاوية، ويمكّنهم من التشارك في حوار القادة المسؤولين القادرين، للخروج بالمنطقة وليس بسوريا وحدها من أزمة تهدد الأمتين العربية والإسلامية وتهدد الدين الإسلام والبشر، وهي فتنة لا تبقي ولا تذر.. ولا بد من تمهيداً لهذا ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل وعلى طريقه، لا بد من وقف الحملات الإعلامية المسعورة المسفة وغير المسؤولة، لا سيما المذهبية والطائفية والعرقية منها، ويدخل في حكمها الحملات السياسية السفيهة الهابطة التي لا تحترم العقل ولا الحقيقة ولا الناس والعلاقات، ولا القيم والصلات التي تبقى وينبغي أن تبقى بين الناس، بل تدمرها وتهبط بها إلى أدنى درجات الانحطاط.. كما لا بد من وضع حد لسوق الكلام ولمن يقودون تلك الحملات وينفخون فيها ويتخذونها تجارة.. وأولئك في الأغلب الأعم، أشخاص "طُرَفٌ" ومتطرفون في الفهم والاعتقاد والسلوك، أو سطحيون في الإدراك وفي ذلك الذي سبق وذكرت كله، لا يفقهون من الدين والقومية والوطنية والقيم الإنسانية والحريات والحقوق وبناء الدول والمؤسسات والإنسان الذي هو الهدف من ذلك كله والوسيلة إلى ذلك كله.. إلا قشور القشور. إنهم يتقنون ذلاقة اللسان ويتخذونها تجارة ويرونها شطارة، لا تعنيهم الكلمة الطيبة ولا ما تفعله وما يجب أن يستثمر فيها، ولا يهمهم ما يفعله الكلام الخبيث في خلق الله، لا سيما حينما تكون الأنفس في فورة والناس في ثورة.
وإلى جانب القائد السياسي المسؤول ذي القدرة والمكانة والمهابة، نحتاج إلى تفعيل دور القيادات الروحية المعنية ذات المستوى نفسه من المكانة والمسؤولية، وللغايات ذاتها.. وهذا ممكن ومؤثر وقادر على خلق المناخ الملائم الذي نحتاج إليه للجم الفتنة ووقف مسارات العنف والدم والدمار.. أما الرافد الثقافي فله تأثيره وأهله وأهميته وضرورته.. ولكن من أسف أقول إنه طفا على السطح الثقافي وطغا قيل "السطحيين" و "إعلاميين" نحن الفكر والثقافة والأدب والفقه والحصافة، القيادة والسيادة والسياسة والكياسة.. فسكت من يستحون وتوارى عن الأنظار من لا يقامرون بسمعتهم وكرامتهم في سوق غدت قيمه تجارة بلا خلق أو جدارة..؟! ألا تباً لمن ضيع الثقافة وأهلها وقيمها والمثقفين الأصلاء ودورهم وتأثيرهم، ألا تباً لمن باع واشترى وحوَّل بعض المثقفين إلى " مجمِّلين وملمِّعين" وبعض الثقافة إلى مساحيق تجميلية ترش على وجوه ساسة ومدعين ومتطرفين و" فناني" ومغامرين ومقامرين، وأيديولوجيين محنطين يبقى توت عنخ آمون أكثر جدة وحيوية وحياة وعصرية منهم.
لست بصدد تسمية بلدان أو قادة في بلدان أراهم أهلاً لهذا المعروف ولهذه المبادرة والقيام بهذه المهمة الكبيرة، فهناك منهم من يعرف قدره وواجبه ولا يحتاج إلى من ينبهه إلى دوره وإلى ما يمليه عليه الحدث والدين والواجب واقتناص المكرمات.. ولكن أذكر بقول الحطيئة الشاعر:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ ** لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
وكل عام وأنتم بخير

عقلة عرسان* كاتب وأديب سوري 

باختصار الكذب الدائم

باختصار
الكذب الدائم

كذبت اسرائيل على شعبها والعالم حين سربت معلوماتها بأن القصف الذي طال سوريا قد دمر صواريخ "ياخوند" الروسية .. لكن الحقيقة كانت في مكان آخر كشفته جريدة "النيويروك تايمز" ان السوريين كانوا قد نقلوا الصواريخ قبل عملية القصف إلى مكان آمن، وانهم بعد القصف اشعلوا نارا في مواد خشبية للإيحاء بنجاح الضربة الاسرائيلية.
فعلها جمال عبد الناصر عام 1956 حين قام بتهريب طيرانه الى السودان ووضع مكانها طائرات خشبية صدقت اسرائيل انها قصفت سلاحه الجوي. اذن هي ليست المرة الاولى ولن تكون الاخيرة في عملية التضليل التي يقودها جيش وقيادة واعين، ضد عدو لا يحسن قراءة اللحظة، بل يبني معلوماته على فعل مضى يظنه ثابتا.
في كل الاحوال، الجميع يقود عملياته على الاراضي السورية ضمن آخر احصاء يقول بأن اكثر من ثمانين شعبا غريبا عن سوريا يقاتل اليوم فيها الى جانب متعددي الالوان الاسلاموية. تحولت سوريا إلى جاذبية عالمية تغذيها تركية اردوغان على وقع فشل وزير خارجيته أوغلو، ولسوف يذكر تاريخ العلاقات السورية التركية، بل تلك العربية التركية حجم التخريب الذي لعبه اردوغان في جارته التاريخية سوريا، لكنه كيف ساهم ايضا بزرع بذرة الشقاق المذهبي داخل بلاده. اضافة إلى لاعب عربي حاول مؤخرا في لقائه مع الرئيس الروسي بوتين ان يشتري صمتا روسيا اضافة الى طلبه سحب حزب الله من سوريا، لكنه تفاجأ بالموقف الروسي الجازم والقاطع، بتلك الهامة الروسية التي لن تحيد أنملة عن موقفها الاستراتيجي والثابت.
لكن المشكلة تظل عند اسرائيل .. كيان يتعمد تطبيق كل ما من شأنه زيادة الاذى في سوريا، مع ان قادته يعلمون مكانة الجيش العربي السوري في تحصين سوريا والامساك بالجغرافية الموحدة لها. هنا يكمن عدم القدرة الاسرائيلية على اللعب المرتاح بدعم عناصر الارهاب، وايجاد المناخات الحركية للكثير من العاملين على الاراضي السورية الذين وصفهم الرئيس بشار الاسد والاعلام السوري بأنهم اسرائيليون، كل من يقاتل الجيش العربي السوري تابع لاسرائيل بالضرورة.
لكن الاسرائيلي يكتشف في يومياته المضطربة ازاء الساحة السورية، ان عوامل الوقت تضيق عليه فعليه ان يخترع كذباته كي يؤمن مخرجا له امام شعبه وامتداداته في الداخل السوري. وهي كذبات من النوع الذي قد لا يكتشفه اي سوري ليأتي من هم من جلدة الاسرائيلي، اميركيا او غربيا، فيقدم الادلة على الكذبة الاسرائيلية بكل ابعادها.
نحن في متن الصراع على سوريا، لوكان بعدما تطورت العمليات العسكرية إلى الصورة التي يصنعها الجيش العربي السوري الذي يملك الادلة الكافية عن التورط الاسرائيلي في كل اشكال الحروب التي يخوضها في الداخل. مهما كان شكل المخطط الذي يتخذ كل مرة ابعادا مختلفة، فإن الوعي العسكري المغلف بقدرة القراءة السياسية، يمكنه اكتشاف ابعادها بصورتها الحقيقية.
لا يمكن لأحد ان تنجح كذباته في دولة سورية باتت تجربتها المضنية وتاريخها المجرب ووعيها المرحلي واستراتيجيتها القارئة في المستقبل خير كاشف.

زهير ماجد 

سوريا بين صراع الأبيض والأسود وصمت الرمادي

شراع
سوريا بين صراع الأبيض والأسود وصمت الرمادي

نعم تبدو سوريا في معادلة الصمود مع المؤامرة الكونية المعدة بعناية فائقة لسلخها عن الجسد العربي، لوحة سوداء حالكة وخاصة بعد السنتين الماضيتين على نشوب الأزمة، حيث تضافرت كل الأدوات وأُعِدَّت جميع الوسائل لتحويل لوحة البياض المتمثلة في التسامح الفريد الذي يعد مفخرة لكل عربي ومسلم، إلى اللون المضاد والمقابل له، فانبرت الأطراف المتآمرة بكل ما أوتيت من قوة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وموارد مالية وعسكرية لمسح بياض اللوحة السورية تبعًا للون الذي يناسب مزاجها وحقيقتها وتكوينها، وهو اللون الأسود الذي تعبر حلكته عن مشاعر حقد وغيظ مستفحلين في أعماق النفس والقلب تجاه سوريا شعبًا وجيشًا وحكومةً.
وفي بادئ الأمر عمدت قوى التآمر إلى تدريج الألوان رويدًا رويدًا وصولًا إلى الهدف المنشود وهو طمس اللون الأبيض، فكانت أولى تدرجات الألوان تلك العقوبات الاقتصادية الظالمة والقاسية على الشعب السوري، لتأخذ تدرجًا آخر في اللون فيما بعد وهو بعثة المراقبين العرب بقيادة الفريق محمد أحمد الدابي الذي قادت نزاهة بعثته وحياديتها وموضوعيتها ـ رغم التشويه والتحريض والتخوين والضغوط التي قادتها قوى التآمر وماكيناتها الإعلامية ـ إلى التعجيل بإنهاء مهمته؛ لأنها كادت تكشف عملية تدريج الألوان والتي بدا أول انكشاف لها في حي بابا عمرو في مدينة حمص، حيث كانت عملية التشويه والتحريض ضد بعثة المراقبين العرب مجرد وسيلة للتغطية على عملية يجري إعدادها، وهي تهيئة الحي إلى وكْرٍ لقوى الظلام والتكفير وأدوات إجرامها التي سيقع على عاتقها تدريج الألوان إلى اللون الأسود بالسرعة المضبوطة على ساعة الزمن لميقاتيي التآمر، ولم يكن شرطًا إخراج الأسلحة الثقيلة إلى خارج المدن وترك حرية التظاهر لمن قيل إنهم متظاهرون، إلا إيذانًا بعملية الدخول إلى اللون الرمادي، وتشكُّل الحاضنات لعصابات الظلام والتكفير والترويع. كما أن المراحل اللاحقة لم تنفصل عن الهدف المنشود وهو دمغ لوحة البياض بسواد الإرهاب والتكفير والظلامية والتدمير والتخريب، في مرحلة واضحة من مراحل استغلال الوقت لإعطاء قوى الظلام والتكفير والإرهاب الفرصة الكافية لكي تنجح في إنجاز المهمة الموكلة إليها، حيث كانت مهمة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدولية العربية إحدى حلقات المرحلة، بدليل تعمُّد قوى التآمر إفشالها وتزهيق أنان في مهمته وحتى في عيشته، ففضل الحفاظ على ما بقي عنده من ذرة ضمير ومثقال عقل، بإعلانه الاستقالة وترك قيادة مرحلة كسب الزمن للمتآمرين إلى خليفته الأخضر الإبراهيمي.
وبين هذه المراحل الزمنية وأثنائها كانت عمليات التنسيق بين الأدوات والطرف الأصيل في مؤامرة تفتيت سوريا وهو كيان الاحتلال الصهيوني وجهاز استخباراته "الموساد"، تتم داخل الحدود وعلى الحدود، ما جعل الشعب السوري يقع ضحية بين متاريس طاحونة الإرهاب العابر للحدود وقذائف الإرهاب للطيران الحربي الصهيوني، ولم يكن العدوان الإرهابي الصهيوني على مركز البحث في جمرايا بريف دمشق وعلى جولتين، والجيب الصهيوني والصواريخ والألغام في مدينة القصير، وأجهزة التجسس على ساحل اللاذقية، والمستشفى الميداني في الجولان السوري المحتل لعلاج الأدوات والعملاء، إلا أدلة مادية واضحة على عمق العلاقة القائمة والتنسيق العالي بين هذه الأدوات والعملاء وكيان الاحتلال الصهيوني الذي من أجله يراد تدمير سوريا ودول المنطقة وتقسيمها.
إن وضوح الصورة اليوم لا يحتاج إلى عصف سياسي لاستنباط الألوان المعبرة عن الأدوار، أو إلى عصف ذهني للوصول إلى الأسباب التي قادت إلى محاولة طمس اللون الأبيض من اللوحة السورية التي غدت أشبه بخريطة للحق والباطل، والألوان عبارة عن مفاتيح لها، فاللون الأبيض يرمز الحق، والأسود يرمز للباطل والإرهاب، أما الرمادي فيرمز للمترددين أو الصامتين، وفي المشهد أن الصراع قائم بين الأبيض والأسود، غير أن الرمادي بدا أقرب إلى الأسود إن لم يكن أسود، فمقادير الأوطان تختفي أمام قامتها جميع الألوان ما عدا اللون الأبيض الرامز للحق، وفي معادلة الصراع على بقاء الأوطان الناس راحلون والأوطان باقية، والصمت في عرفه ومصطلحه صنو للخيانة.
إن استفاقة الشعب السوري ـ ولو بدت متأخرة ـ حول ما يبيت ضده وضد وطنه من مؤامرة، ومن ثم التفافه حول جيشه، حالا دون طغيان السواد في لوحة الوطن السوري، ويرجع إليهما الفضل ـ بعد الله ـ في تنظيف مساحات لوحة الوطن الملوثة بسواد الإرهاب والتكفير والتخريب والتدمير، وجعلها بيضاء، ولذلك فإن أصحاب اللون الرمادي هم اليوم بين خيارين؛ إما اختيار اللون الأبيض أو اللون الأسود، ولا منزلة بين المنزلتين في مقادير الوطن السوري وبقائه. وانتظار ما قد تجود به الظروف من قسمة تحت لافتة الحياد، واقع طوته تطورات الميدان، فضلًا عن أنه في موازين الوطنية يمثل انتهازية.
لقد كان صريحا الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه مساء الأحد الماضي حين قال: "في سوريا هناك أطياف كثيرة يحق لكل شخص اختيار الطيف السياسي الذي يريده، ولكن في الوطن لا يمكن إلا الاختيار بين الأبيض والأسود، والكثير من الشعب السوري اتخذ اللون الرمادي الذي يسمح بخلق حاضنات للوحوش في بداية الأزمة وبدأت تتكاثر ولم تعد بحاجة لتلك الحاضنات التي خلقت عن قلة معرفة، ونحن كمجتمع نتحمل مسؤولية ذلك"، مضيفًا: "مع تراجع الحاضنة مؤخرًا أصبحنا أمام حالات تعطي المزيد من البياض على هذه اللوحة السوداء عندما قام البعض من هؤلاء الشباب ليس فقط في تسليم أنفسهم، بل في القتال إلى جانب القوات المسلحة". 

خميس بن حبيب التوبي 

جلالته يتبادل التهاني في اتصال هاتفي مع أمير الكويت

جلالته يتبادل التهاني في اتصال هاتفي مع أمير الكويت
جلالة السلطان يتبادل تهاني العيد مع قادة الدول الشقيقة والصديقة‎

مسقط ـ العمانية: مع حلول الأيام المباركة لعيد الفطر السعيد بعد أن من الله على عباده بالصلاة والصيام والقبول والرضوان، تبادل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ برقيات التهاني بهذه المناسبة الجليلة مع أصحاب الجلالة والفخامة والسمو قادة الدول العربية والإسلامية الشقيقة والصديقة.
وقد أعرب جلالته في برقياته لهم عن أطيب التهاني وأصدق التمنيات لهم بوافر الصحة والسعادة ومديد العمر ولشعوب دولهم باطراد التقدم والرقي والازدهار، داعياً الله تعالى أن يعيد عليهم هذه المناسبة الكريمة وأمثالها وعلى شعوب دولهم وجميع المسلمين بالخير واليمن والبركات.
كما أعرب القادة في تهانيهم لجلالته عن أحر التهاني والتبريكات، سائلين الله العلي القدير أن يحفظ جلالته على الدوام بموفور الصحة والعافية ومديد العمر، ويحقق بقيادته الحكيمة لشعبه الوفي المزيد مما يصبو إليه من تقدم ورخاء وازدهار، وأن يُعيد المولى تعالى هذه المناسبة المباركة على جلالته والشعب العُماني والأمتين العربية والإسلامية جمعاء بالعزة والرفعة والسؤدد. فقد تبادل جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ برقيات التهاني مع كلٍ من:
ـ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية.
ـ صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
ـ صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين.
ـ صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر.
ـ صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت.
ـ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية.
ـ جلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية.
ـ فخامة الرئيس الدكتور محمد منصف المرزوقي رئيس الجمهورية التونسية.
ـ فخامة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقه رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
ـ فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلة رئيس جمهورية جيبوتي.
ـ فخامة الرئيس المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس جمهورية السودان.
ـ فخامة الرئيس حسن شيخ محمود رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية.
ـ فخامة الرئيس جلال طالباني رئيس جمهورية العراق.
ـ فخامة الرئيس محمود عباس رئيس دولة فلسطين رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
ـ فخامة الرئيس الدكتور إكليل ظنين رئيس جمهورية القمر المتحدة.
ـ فخامة نوري علي أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام الليبي.
ـ فخامة المستشار عدلي منصور رئيس جمهورية مصر العربية المؤقت.
ـ فخامة الرئيس محمد ولد عبدالعزيز رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
ـ فخامة الرئيس المشير عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية اليمنية.
ـ جلالة السلطان حاجي حسن البلقيه سلطان بروناي دار السلام.
ـ جلالة الملك المعتصم بالله عبدالحليم معظم شاه ملك ماليزيا.
ـ فخامة الرئيس إلهام حيدر علييف رئيس جمهورية أذربيجان.
ـ فخامة الرئيس حامد قرضاي رئيس جمهورية أفغانستان الإسلامية.
ـ فخامة الرئيس الدكتور سوسيلو بامبانج يوديونو رئيس جمهورية أندونيسيا.
ـ فخامة الرئيس إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان.
ـ فخامة الرئيس الدكتور حسن روحاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ـ فخامة الرئيس آصف علي زرداري رئيس جمهورية باكستان الإسلامية.
ـ فخامة الرئيس محمد عبدالحميد رئيس جمهورية بنجلاديش الشعبية.
ـ فخامة الرئيس قوربانقولي بيردي محمدوف رئيس جمهورية تركمنستان.
ـ فخامة الرئيس عبدالله جول رئيس جمهورية تركيا.
ـ فخامة الرئيس إدريس ديبي رئيس جمهورية تشاد.
ـ فخامة الرئيس علي بونجو أونديمبا رئيس جمهورية الجابون.
ـ فخامة الرئيس الدكتور يحيى جامح رئيس جمهورية جامبيا.
ـ فخامة الرئيس ماكي سال رئيس جمهورية السنغال.
ـ فخامة الرئيس إمام علي رحمانوف رئيس جمهورية طاجيكستان.
ـ فخامة الرئيس ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغزستان.
ـ فخامة الرئيس نور سلطان نظر بايف رئيس جمهورية كازاخستان.
ـ فخامة الرئيس الدكتور محمد وحيد حسن رئيس جمهورية المالديف.
ـ فخامة الرئيس محمد إيسوفو رئيس جمهورية النيجر.
وكل عام والجميع بخير ومسرة. 

تبادل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ التهاني والتبريكات بمناسبة عيد الفطر المبارك خلال اتصال هاتفي جرى مساء أمس مع أخيه صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت .
وقد أعرب جلالة السلطان المعظم عن خالص تهانيه وأطيب تمنياته لسموه بموفور الصحة والسعادة ومديد العمر داعيا الله تعالى أن يعيد عليه هذه المناسبة المباركة وعلى الشعب الكويتي الشقيق وقد تحقق له المزيد من تطلعاته نحو التقدم والرقي والرخاء وعلى جميع المسلمين بالخير واليمن والبركات.
كما أعرب سموه عن أصدق التهاني وأعطر التمنيات لجلالة السلطان المعظم بهذه المناسبة المباركة، سائلا المولى تعالى أن يديم على جلالته الصحة والهناء والعمر المديد وأن يعيد عليه هذه المناسبة وقد حقق بقيادته الحكيمة المزيد مما يصبو إليه الشعب العماني من تقدم ورفعة وازدهار وعلى الأمتين العربية والإسلامية بالخير واليمن والبركات.

الجيش يوقف تدهور الوضع في طرابلس... وخطة امنية للمدينة

الجيش يوقف تدهور الوضع في طرابلس... وخطة امنية للمدينة 
الأجواء التفاؤلية التي خيمت امس الاول بشأن تشكيل الحكومة تراجعت امس امام تطورات أمنية في طرابلس، ونتيجة دخول البلاد في عطلة عيد الفطر السعيد. وفيما ارجئت الاتصالات الى ما بعد العطلة، فان العماد ميشال عون رفض ما يطرح من صيغ وأيّد تشكيل حكومة أقطاب.
وخارج الاطار السياسي شهدت طرابلس فجر أمس حوادث اطلاق نار أوقعت ٧ جرحى ورافقتها اعمال تخريب في الاسواق القديمة.
وتوترت الأجواء بشكل أوسع بعدما اصدر المجلس العدلي حكمه في جريمة التفجير في محلة التل. وقد أثار الحكم ردة فعل واسعة على مستوى الشارع الطرابلسي لا سيما بين مناصري الشيخ طارق مرعي الذين خرجوا الى الطرق مستنكرين واطلقوا عيارات نارية في الهواء، تدخل على اثرها الجيش لمنع قطع الطرقات خصوصا عند ساحة عبد الحميد كرامي، وتوجه المحتجون في مسيرة في اتجاه دارة الرئيس نجيب ميقاتي حيث اعتصموا لبعض الوقت.
وقد وضعت في اجتماع بالسراي امس خطة امنية جديدة للمدينة ستحدد تفاصيلها اليوم.
قهوجي يحذر
امنيا ايضا، برز الى الواجهة كلام لافت لقائد الجيش العماد جان قهوجي خلال لقاء موسع مع كبار ضباط القيادة وقادة الوحدات الكبرى، تناول فيه علاقة الضباط والعسكريين بالقيادات السياسية، فاكد ان القيادة ستكون متشددة في هذه العلاقة، فالجيش يخضع لسلطة قيادته فقط، وان الاتصال بالسياسيين انما يجب ان يتم بموافقة القيادة، فممنوع الاستزلام لاي مرجعية خارج الجيش، وممنوع ان يمد اي سياسي يده الى الجيش من خلال اي ضابط او عسكري.





وتوقفت مصادر سياسية عند ابعاد موقف قهوجي، مشيرة الى ان قائد الجيش وجه رسالة الى من يعنيهم الامر، واضعا خطا احمر امام محاولات بعض الاطراف السياسيين تعويم مواقع ضباط مقربين منهم في المؤسسة العسكرية.
وفي السياق لفتت زيارة قائد الجيش الى رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد ظهر أمس من دون الاعلان عن اهدافها او اجواء المداولات بين الرجلين، علما ان بعض المعلومات تحدثت عن ان متفجرات داريا كانت تستهدف الرئيس بري.
لا جديد حكوميا
وفي السياسة، غابت اي معطيات على صعيد الملفات المطروحة على بساط البحث وبقيت المداولات محصورة في اطار تشكيل الحكومة في ضوء المواقف الاخيرة لرئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، والحديث عن اتجاه لحسم الملف بعد الفطر.
ونفت مصادر في 8 آذار اي تقدم على مستوى تأليف الحكومة، واوضحت انها لم تتبلغ اي جديد من الرئيس المكلف.
وقد أعلن العماد ميشال عون بعد اجتماع التكتل امس أنّه لا يمكن تأليف الحكومة عبر وضع الشروط، إنّما عن طريق التمثيل الصحيح لأحجام الكتل النيابيّة داخل المجلس وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، بعيداً عن كلّ الألعاب الصبيانيّة التي تطالب بحكومة مؤلّفة من ثلاث ثمانيات 8 - 8 - 8 أو ثلاث عشرات 10 - 10 -10، مشيراً إلى أنّ حكومة أقطاب قد تكون جيّدة في الوقت الراهن.

جرائم يزيد بن معاوية

  • جرائم يزيد بن معاوية:  
  • 1432-12-25 15:59:1  
  • CountVisit : 100   
  • Sendtofriend
  •  
  •  
  • عند تولي يزيد الخلافة لم يجد الإمام الحسين(عليه السلام) بدّاً من رفض بيعته وتوعيت الناس وتنبيههم بالخطر الذي كان يهدّد جذور الإسلام، فقال (عليه السلام) لمّا بلغه ذلك: " وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأُمة براع مثل يزيد "(1).
    فقابله يزيد بعنف حتى حدثت مجزرة كربلاء الرهيبة، فذبح الحسين(عليه السلام)وقتل آل رسول الله(عليهم السلام)ومن شايعهم، ومثّل بهم أبشع تمثيل، وسبيت نساءهم وذراريهم، ونهب رحلهم، ثم لم يكتف يزيد بهذه الجريمة، بل أمر بالهجوم على مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لمعارضتهم لحكمه، فاستباحها وقتل أهلها وهتك الأعراض فيها، فافتض عساكره في هذه الواقعة ألف بكر! وقتل الآلاف من المسلمين فيهم جمع من الصحابة!، وجريمته المنكرة هدمه للكعبة المشرفة وحرقها وترويع أهل الحرم المكي!!، وكل هذا ذكره المؤرخون وأصحاب السير وغيرهم.
    وقد ذكر المؤرخ الأُموي ابن عبد ربه الأَندلسي أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، من شربه الخمر، وقتل ابن الرسول، ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كوروده فيمن جحد توحيده وخالف رسله(2).
    كما أنّ يزيد بن معاوية اعتمد في ارتكابه لهذه الجرائم على أعوان لايؤمنون بشيء من القيم الإنسانية، بل كانوا مزيجاً من المسوخ البشرية وذوي العاهات النفسية الغريبة التركيب، فكانوا يمتلكون نفوساً مليئة بالحقد والتدمير
    ____________
    1- أنظر: الملهوف لابن طاووس: 99.
    2- أنظر: العقد الفريد: 5 / 124 ـ 140.
       
    للأمة الإسلامية ورموزها المقدسة.
    فكان من هؤلاء: مستشاره ونديمه المرافق له كظله (سرجون النصراني) الذي لعب دوراً هدّاماً في الكيان الإسلامي، فقرّبه يزيد ومنحه المكانة العالية وبسط يده في الدولة، لأنّ يزيد عاش فترة طفولته وشبابه المبكر مع أُمه ميسون وأخواله بني كلب النصارى; وكان من شعراء يزيد (الأخطل) وهو نصراني لئيم أيضاً، تمادى في هجوه للأنصار! ولم يكتف يزيد بذلك، بل عهد بتربية أحد أبنائه إلى مرّب نصراني!.
    واعتمد أيضاً على الأدعياء وأبناء الأدعياء، كـ (عبيد الله بن زياد) المعروف ببغضه لآل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، والمشهور بفتكه وقسوته، كما اعتمد على (عمر بن سعد بن أبي وقاص) المعروف بطمعه وحبّه للمناصب، وهو الذي وجّه لحرب الحسين(عليه السلام)، وكان أوّل من شنّ الحرب في أرض كربلاء ضدّ الإمام الحسين(عليه السلام) ليرضي بذلك ابن زياد فيوليه بلاد الري وجرجان، فرمى بسهم نحو معسكر أبي عبد الله(عليه السلام) وقال: " اشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى، ثم رمى الناس "(1)!
    واعتمد يزيد على الخارجي (شمر بن ذي الجوشن) الذي عرف عنه النَصب والعداوة لآل عليّ(عليه السلام)، تلك العداوة التي جسدها بكل خسة عند توليه لذبح سيد الشهداء(عليه السلام)!
    وغير هؤلاء كثير، فكانت تصرفاتهم مطابقة لتصرفات يزيد بحيث غلب على أصحابه وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب!.
    ____________
    1- أنظر: الخطط للمقريزي: 2 / 287.
       
    وإنّ التاريخ بالرغم من كتابة أكثر فصوله بأقلام كانت تداري حكام الجور الذين كانوا يبغضون علياً وبنيه(عليهم السلام) قد ذكر أفعال يزيد وشخصيته، ولكن مع ذلك نجد هناك بعض ممن في قلبه مرض حاول الدفاع عن يزيد ولم يجوّز لعنه!!.
    فقد قال ابن كثير بعد ما نقل عن أبي الفرج الحنبلي تجويز لعنه: " ومنع من ذلك آخرون، وصنفوا في ذلك أيضاً لئلاً يجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة، وحملوا ماصدر منه من سوء التصرفات على أنّه تأوّل ذلك وأخطأ، وقالوا: إنّه مع ذلك كان إماماً فاسقاً، والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج وسفك الدم الحرام... وأمّا ما ذكره بعض الناس من أنّ يزيد لمّا بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند الحرّة من مسلم بن عقبة وجيشه، فرح بذلك فرحاً شديداً، فإنّه يرى أنّه الإمام وقد خرجوا عن طاعته، وأمرّوا عليه غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة "(1).
    " وإن عشت أراك الدهر عجباً " فالخروج على السلطان الجائر المستحل لحرام الله المؤدي إلى وقوع الهرج وسفك الدم الحرام غير جائز!! وبقاء الحاكم الذي عمّ بظله الهرج والمرج، وسفك بأمره دم آل رسول الله(عليهم السلام)وهدم بأمره بيت الله و... كل هذا جائز (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)!(2).
    وقال الذّهبي عن لعنه: " ويزيد ممن لا نسبّه ولا نحبّه، وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك ملوك النواحي، بل فيهم من هو شرّ منه، وإنّما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة
    ____________
    1- البداية والنهاية: 8 / 157.
    2- الصافات: 154.
       
    موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجدّه "(1).
    فالذّهبي لا يسبّه لوجود نظراء سوء مثله، ولا يحبّه لأنّ ابن عمر أولى بالأمر منه!، ولهذا عظم الخطب عنده، لا لقتله سيد شباب الجنّة وريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا لقتله المسلمين وهتكه للأعراض في المدينة المنورة، ولا لهدمه الكعبة المشرفة!!.
    وزعم أبو بكر ابن العربي المالكي (عليه لعنة الله) أنّ الحسين قتل بسيف جدّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يجوز لعن يزيد لذلك(2)!!.
    واستحسن ابن حجر الهيثمي ما ذهب إليه الغزالي والمتولي بعد أن نقل قولهما في كتابه الصواعق: " لا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره، فإنّه من جملة المؤمنين، وأمره إلى مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه "(3)!.
    وياترى من أين جاء له الإيمان؟! وهو الذي وضع رأس الحسين(عليه السلام)ورؤوس آل عبد المطلب بين يديه وتمثّل بأبيات المشرك ابن الزبعري ـ التي افتخر فيها بانتصار قريش على المسلمين يوم أحد ـ فجعل يزيد ينشد:

    ليت أشياخي ببدر شهدواجزع الخزرج من وقع الأسل
    لأهلوا واستهلوا فرحاًثم قالوا يا يزيد لا تشل
    قد قتلنا القرم من ساداتهموعدلنا ميل بدر فاعتدل

    كما أنّه نكث رأس الحسين(عليه السلام) بخيزرانته وأنشد يقول بمرأى ومسمع من المسلمين:
    ____________
    1- أنظر: سير أعلام النبلاء: 4 / 36.
    2- أنظر: روح المعاني للآلوسي: 13 / 228، ويظهر هذه المعنى من كتاب ابن العربي العواصم والقواصم.
    3- الصواعق المحرقة: 2 / 639.
       

    لست من خندف إن لم أنتقممن بني أحمد ما كان فعل
    لعبت هاشم بالملك فلاخبر جاء ولا وحي نزل(1)

    وأقواله هذه توحي أنّه كان من الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعدواناً (فَإِنَّها لا تَعْمَى اْلأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(2).
    العلماء المصرحين بكفر يزيد وجواز لعنه:
    ومما يستنتج من أفعال يزيد بن معاوية، أنّه كان لا يؤمن بالله عزّوجلّ في قرارة نفسه، وكان جانحاً ميّالاً للعبث في تصرفاته، وحاقداً على النبيّ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله، ولهذا جزم بعض علماء العامة بكفره وجواز لعنه، كابن الجوزي، والقاضي أبي يعلى، والتفتازاني، وجلال الدين السيوطي، وأحمد بن حنبل(3)، وغيرهم.
    وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً أسماه " الرد على المتعصب العنيد، المانع من ذم يزيد "، وقال فيه: " سألني سائل في بعض مجالس الوعظ عن يزيد بن معاوية وما فعل في حقّ الحسين(عليه السلام)، فقلت: يكفيه ما فيه!... قال: تجوّز لعنه؟ فقلت: قد أجازها العلماء الورعون، منهم الإمام أحمد بن حنبل [ فإنّه ذكر في حق يزيد ما يزيد على اللعنة ]"(4).
    وروى عن القاضي أبي يعلى بن الفراء، أنّه روى في كتابه المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل، قال: " قلت لأبي: إنّ قوماً
    ____________
    1- أنظر: الفتوح لابن أعثم: 5 / 150، مقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 80، تذكرة الخواص لابن الجوزي: 235، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 134.
    2- الحج: 46.
    3- أنظر: روح المعاني للآلوسي: 13 / 228، الرد على المتعصب لابن الجوزي: 6 ـ 17.
    4- الرد على المتعصب العنيد: 6.
       
    ينسبوننا إلى توالي يزيد؟! فقال: يا بني، وهل يتوالى يزيد أحد يؤمن بالله؟ [فقلت: فلم لا تلعنه؟! فقال: ومتى رأيتني لعنت شيئاً يا بني ]، لم لا تلعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن الله يزيد في كتابه؟ فقال: في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ)(1) فهل يكون فساداً أعظم من القتل؟ "(2).
    وقد صنف القاضي أبو يعلى كتاباً ذكر فيه بيان من يستحق اللعن، ومنهم يزيد، وقال: " الممتنع من ذلك إمّا أن يكون غير عالم بجواز ذلك، أو منافقاً..."(3).
    وقال سعد الدين التفتازاني: " وبعضهم أطلق اللعن عليه، لما أنّه كفر حين أمر بقتل الحسين (رضي الله عنه)، واتفقوا على جواز اللعن على من قتله، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به.
    والحق: إنّ رضى يزيد ـ لعنه الله ـ بقتل الحسين(عليه السلام)واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مما تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه "(4).
    وقال الآلوسي في تفسيره بعد أن ذكر كلام ابن الجوزي في يزيد: " وأنا أقول: الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن مصدّقاً برسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)... ولو سلم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلمٌ جمع من الكبائر مالا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين،
    ____________
    1- محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): 22، 23.
    2- الردّ على المتعصّب العنيد: 16 ـ 17.
    3- المصدر نفسه: 18.
    4- أنظر شرح ا لعقائد النسفية: 103.
       
    والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه "(1).
    وواقعة الحرّة تشهد على فعل يزيد بالمدينة وأهلها، وخصوصاً بعد ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): " من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين... "(2).
    فيزيد بن معاوية ملعون آيس من رحمة الله، وقد دعى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو لم يولد بعد، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): " يزيد لا بارك الله بيزيد، نُعي إلي الحسين، وأُوتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله... واهاً لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف "(3).
    كما لعنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالوصف أيضاً، فقال: " سبعة [ستة] لعنتهم وكل نبيّ مجاب الدعوة... والمستحل من عترتي ما حرّم الله "(4).
    وأخرج ابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والروياني، والحافظ السلمي والنيسابوري، والبيهقي، وابن عساكر، والضياء، عن أبي ذر رضي الله عنه: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " أوّل من يبدّل سنتي رجل من بني أمية ـ وزاد الروياني ـ يقال له يزيد "(5).
    ____________
    1- أنظر روح المعاني: 13 / 228.
    2- أنظر: مسند أحمد: 4 / 55، مسند الحارث (زوائد الهيثمي): 1 / 467 (395)، تاريخ الذهبي أحداث (63): 5 / 26.
    3- أنظر: كنز العمال: 12 / 128 (34324)، الجامع الكبير للطبراني: 3 / 120، مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 190.
    4- أنظر: صحيح ابن حبّان: 13 / 60 (5749)، الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 506، كنز العمال: 16 / 85 (44024)، المستدرك للحاكم: 2 / 571 (3940)، المعجم الكبير للطبراني: 17 / 43.
    5- أنظر: مصنف ابن أبي شيبة: 7 / 260 (35877)، فيض القدير للمناوي: 3 / 94، مسند أبي يعلى: 2 / 176 (781)، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 163، جمع الجوامع للسيوطي: 3 / 271 (8780).
       
    وقد تبرء بعض بني أُمية من سوء فعاله، وأدانوا سيرته، حتى أنّ إبنه معاوية قال عنه عندما هلك يزيد: " إنّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئيس منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الخمر، وخرّب الكعبة... "(1).
    ومن كلام إبنه هذا يحكم بكفره لا محال، لأنّه غيّر حكم الله وبدّل شريعة الإسلام بإباحته للخمر ـ وتحليل الخمر يعني الحكم بأنّها حلال ومباح ـ وفاعل ذلك كافرٌ شرعاً لا خلاف فيه، وإذا قيل: أنّه ولد من مسلم، يكون مرتدّاً مليّاً يجب قتله!
    كما أكد عمر بن عبد العزيز إدانته لأفعال يزيد، عندما ذكره رجل في بلاطه فقال: أمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فقال: " تقول أمير المؤمنين؟! فأمر به فضرب عشرين سوطاً "(2).
    وقد ارتكب يزيد من الجرائم حتى خشي الناس غضب الله عليهم!، فعن عبد الله بن حنظلة ـ غسيل الملائكة ـ قال: " والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح أُمهات الأولاد والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة "(3).
    نقطة التحول والاستبصار:
    يقول إبراهيم وترى: " جعلني كلام قريبي آدم مذهولاً مندهشاً بعدما
    ____________
    1- أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 641.
    2- أنظر: شذرات الذهب للعكبري: 1 / 69، أخبار الدول للقرماني: 2 / 14، سير أعلام النبلاء للذهبي: 4 / 40، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 209.
    3- أنظر: الصواعق المحرقة لابن حجر: 2 / 634، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 209.
       
    كشف لي الستار عن هذه الحقائق التاريخية! فتجلى لي بوضوح أنّ من يحمل هذه الصفات المذمومة والرذائل الموبقة لا يجوز له أن يقود أمة ترعرعت في أوساطها أقدس رسالات الله تعالى، ولا يستحق أن يلقّب خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّه يفقد جميع مقومات الخلافة.
    فمن ذلك الحين وجدت يزيد رجلاً على حدّ تعبير الذهبي: ناصبياً، فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرّة، فمقته الناس(1).
    فاتفقت مع الأخ آدم على عقد لقاءات أُخرى لأتعرف على الشيعة أكثر فأكثر، وتكررت اللقاءات وتعدّدت البحوث حول مواضيع الإمامة والخلافة، وكان آدم يدعم أقواله بالأدلّة والبراهين، ويرشدني إلى الكتب، لا سيما كتب أبناء العامة لأحقق في الأمر بنفسي، وهكذا بقيت أستفسر واطالع و....
    ومن جانب آخر كنت اناقش أستاذي ـ الذي أرشدنى لآدم ـ في هذه المسائل، فبدأ الأستاذ يمتعض مني، وخشي أن أتحوّل إلى مذهب الشيعة، فزودنى بعناوين بعض المؤسسات الثقافية لترفدني بالكتب والاصدارات التي قد توقف وتحدّ من تأملاتي في سلوك خلفاء الإسلام الذين كنت أجهل عنهم كل شئ تقريباً.
    ولكنني بمرور الزمان تعرّفت على حقائق واجهت في الأذعان بها صعوبة بالغة، نتيجة الترسبات الفكرية السابقة، وكنت أقول في نفسي: كيف أترك مذهبي؟! كيف أهجر معتقداتي؟! كيف كيف...؟، ودارت الأيام حتى إلتقيت بأحد أصدقائي السابقين ـ وكان أحد طلاب مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في غانا ـ فتحاورت
    ____________
    1- أنظر: سير أعلام النبلاء: 4 / 36 ـ 38.
       
    معه في هذا المجال، فأعطاني كتاب (ثم اهتديت) و(لأكون مع الصادقين) و(مؤتمر علماء بغداد)، فوجدت فيها حقائق أُخرى تؤيد ما ذكر لي آدم من قبل.
    وشيئاً فشيئاً بدأت سحب الظلام تنقشع من أمامي ونور الهداية يجذبني، فقرّرت الالتحاق بسفينة النجاة والاهتداء بنجوم الأمان والانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام)الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فأعلنت استبصاري عام 1993م في ساحل العاج ".

    رأي الجمهور في معاوية

    رأي الجمهور في معاوية

    دع كل ما ذكرناه وعرج على رأي الجمهور في معاوية تجد هناك معذرة المتأولين قالبا حسيا ، وتلفها أمامك شخصا مرئيا فإنه لما كان متأولا على زعمهم ، لم يقدح في عدالته عندهم إلحاقه زيادا بأبيه ( أبي سفيان ) بدعوى أنه عاهر سمية وهي على فراش عبيد ، مستندا في ذلك إلى شهادة أبي مريم القواد الخمار مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ( 62 ) .

    وقوله من حديث ( 63 ) ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو راد ، وقوله تعالى : " أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " وكان فعله هذا أول عمل جاهلي عمل به في الإسلام علانية فلم يقدح مع ذلك عند الجمهور في عدالته ولم يمنع محمد بن إسماعيل البخاري عن الاحتجاج به في صحيحه ( 64 )
     
     * هامش * 
     (62) هذا الحديث متواتر قاله رسول الله ( ص ) حين ترافع إليه سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام عهد عتبة بن أبي وقاص إلى أخيه سعد أنه ابنه بسفاح الجاهلية ، فقال سعد : يا رسول الله إنه ابن أخي وقد عهد به إلي وعليه شبهة . وقال عبد بن زمعة : إنه أخي وابن أبي ولد على فراشه من جاريته . فنظر النبي ( ص ) إلى الغلام فرأى عليه شبه عتبة بينا ولم يلحقه مع ذلك به وإنما ألحقه بزمعة ، وقال " الولد للفراش وللعاهر الحجر " أخرج البخاري هذه القضية بهذه الكيفية في ثلاثة مواضع من كتاب البيوع في أول الجزء الثاني من صحيحه ، وأخرجه مسلمبطرق مختلفة في باب الولد للفراش من كتاب الرضاع من صحيحه .

    (63)
     أخرجه البخاري في باب النجش من كتاب البيوع في صفحة 12 من الجزء الثاني من صحيحه . 
    (64)
     جميع المحدثين من أهل السنة يحتجون بمعاوية ويعتمدون عليه =
     

    - ص 128 -
    وأيضا لم يخدش في وثاقته عندهم عهده بالخلافة إلى ابنه يزيد ، وهو صبي يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ولا يعرف من الدين موطئ قدمه مع معرفته بليله ونهاره وإعلانه وأسراره وعلمه بمنزلة الحسين عليه السلام من الله عز وجل ومكانته من
    رسول الله صلى الله عليه وآله ومحله في نفوس المؤمنين ، على أنه كان يومئذ في المهاجرين والأنصار وبقية البدريين وأهل بيعة الرضوان جم غفير وعدد كثير كلهم قارئ للقرآن عالم بمواقع الأحكام خبير بالسياسة حقيق على رأي الجمهور بالخلافة
    والرياسة ، فلم يراع سابقتهم في الإسلام ولا عناءهم في تأييد الدين وأمر عليهم شريره المتهتك وسكيره المفضوح ، فكان منه في طف كربلاء مع سيد شباب أهل الجنة وخامس أصحاب الكساء ما أثكل النبيين وأبكى الصخر الأصم دما ورمى المدينة
    الطيبة بمجرم بن عقبة ، وكان أبوه معاوية عهده ( 65 ) بذلك إليه كما نص عليه جماعة ( 66 ) فكانت أمور تكاد السماوات يتفطرن منها .

    وحسبك أنهم أباحوا المدينة المنورة ثلاثة أيام حتى
     * هامش * 
      = في مسانيدهم وصحاحهم ، أما البخاري فقد احتج به في كتاب الجهاد والسير في باب قوله تعالى " فإن لله خمسه وللرسول " من صحيحه ، واحتج به أيضا في أول باب وصل الشعر من كتاب اللباس ، وفي مواضع أخر لا تخفي على المتتبع .(65) غير مبال بدعاء النبي ( ص ) على من أخاف أهل المدينة ، ولا مكترث بقوله ( ص ) " من أخاف أهل المدينة أخافه الله عز وجل وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " أخرجه أحمد من حديث السائب بن خلاد بطريقين في صفحة 56 من الجزء 4 من مسنده .
    (66) منهم الإمام ابن جرير الطبري في الصفحة الأخيرة من حوادث سنة 63 في أوائل الجزء 7 من تاريخه ، وابن عبد ربه المالكي حيث ذكر وقعة الحرة في الجزء الثاني من العقد الفريد . ( * )
     

    - ص 129 -
    افتض فيها ألف عذراء من بنات المهاجرين والأنصار ، كما نص عليه السيوطي في تاريخ الخلفاء وعلمه جميع الناس ( 67 ) وقتل يومئذ من المهاجرين والأنصار وأبنائهم وسائر المسلمين اللائذين بضريح سيد النبيين صلى الله عليه وآله 10870 رجلا
    ولم يبق بعدها بدري ( 68 ) وقتل من النساء والصبيان عدد كثير ، وكان الجندي يأخذ برجل الرضيع فيجذبه من أمه ويضرب به الحائط فينتشر دماؤه على الأرض وأمه تنظر إليه ( 69 ) ثم أمروا بالبيعة ليزيد ، على أنهم خول وعبيد إن شاء استرق
    وإن شاء أعتق ، فبايعوه على ذلك وأموالهم مسلوبة ورحالهم منهوبة ودماؤهم مسفوكة ونساؤهم مهتوكة ، وبعث مجرم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد ، فلما ألقيت بين يديه قال : ليت أشياخي ببدر شهدوا : الأبيات ( 70 )
     
     * هامش * 
     (67) حتى قال ابن الطقطقي في صفحة 107 من تاريخه المعروف بالفخري ما هذا لفظه : فقيل إن الرجل من أهل المدينة بعد ذلك كان إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها ويقول لعلها افتضت في وقعة الحرة ا ه‍ .وقال الفاضل الشبراوي في صفحة 66 من كتاب الاتحاف : وافتض فيها نحو ألف بكر وحمل فيها من النساء اللاتي لا أزواج لهن نحو من ألف امرأة .
    وقال ابن خلكان وقد ذكر الحرة في ترجمة يزيد بن القعقاع القارئ المدني من وفياته ما هذا لفظه : كان يزيد بن معاوية في مدة ولايته قد سير إلى المدينة جيشا مقدمه مسلم بن عقبة المري فنهبها وأخرج أهلها إلى هذه الحرة ، فكانت الوقعة بها وجرى فيها ما يطول شرحه ، وهو مسطور في التواريخ حتى قيل إنه بعد وقعة الحرة ولدت أكثر من ألف بكر من أهل المدينة بسبب ما جرى فيها من الفجور .
    (68) نص على ذلك ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة وغير واحد من أهل الأخبار .
    (69)
     الإمامة والسياسة ، لابن قتيبة ، الجزء الأول ، صفحة 184 .
    (70) إرسال رؤوس أهل المدينة إلى يزيد وإنشاده أبيات ابن الزبعري مشهور مستفيض ، وقد ذكره ابن عبد ربه في أواخر وقعة الحرة من العقد الفريد ، ونقل هناك اعتراف يزيد بارتداده عن الإسلام . ( * )
     

    - ص 130 -
    ثم توجه مجرم لقتال ابن الزبير فهلك في الطريق ، وتأمر بعده الحصين بن نمير بعهده من يزيد ، فأقبل حتى نزل على مكة المعظمة ونصب عليها العرادات والمجانيق ( 71 ) وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة في كل يوم يرمونها بها ،
    فحاصروهم بقية المحرم وصفر وشهري ربيع يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد وكانت المجانيق أصابت جانب البيت فهدمته مع الحريق الذي أصابه . وفظائع يزيد من أول عمره إلى انتهاء أمره أكثر من أن تحويها الدفاتر ، أو
    تحصيها الأقلام والمحابر ، قد شوهدت وجه التاريخ وقبحت صحائف السير وكان أبوه يرى كلابه وقروده وصقوره وفهوده ويطلع على خموره وفجوره ، ويشاهد الفظائع من كل أموره ويعاين لعبه من الغواني ويعرف خبثه بكل المعاني ، ويعلم أنه
    ممن لا يؤتمن على نقير ولا يولي أمر قطمير ، فكيف رفعه والحال هذه إلى أوج الخلافة وأحله عرش الملك والإمامة وملكه رقاب المسلمين وسلطه على أحكام الدنيا والدين ، فغش بذلك أمته ولم ينصح رعيته وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله ،
    فيما أخرجه البخاري في الورقة الأولى من كتاب الأحكام من صحيحه ( 72 ) : ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة .

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد من حديث أبي بكر في صفحة 6 من الجزء الأول من مسنده : من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم .

    وقال صلى الله عليه وآله فيما أخرجه البخاري في تلك الورقة أيضا : ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحظها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة .
     * هامش * 
     (71) ذكر ذلك ابن قتيبة في صفحة 214 من كتابه الإمامة والسياسة .
    (72)
     في صفحة 250 من جزئه الرابع . ( * )
     

    - ص 131 -
    والجمهور يعذرونه في ذلك بناء على اجتهاده كما عذر بعضهم في وقعتي الطف والحرة أكفر أولاده ( 73 ) .
     
    وعذروه أيضا في قتله عباد الله الصالحين كعمرو بن الحمق الخزاعي ، وكان بحيث أبلته العبادة ورأسه أول رأس حمل في الإسلام ، قتله ( وهو من خيار الصحابة ) بحبه عليا عليه السلام ، وكحجر بن عدي الكندي وكان من فضلاء الصحابة أيضا
    قتله وأصحابه البررة الأتقياء إذ لم يلعنوا عليا عليه السلام ، ومعاوية هو الذي قتل الحسن سلام الله عليه بسم دسه إليه فسقته إياه بنت الأشعث عليها اللعنة ، علم بذلك كافة أهل البيت وشيعتهم واعترف به جماعة من غيرهم .
     
     * هامش * 
     (73) بل اعتقد قوم من الجمهور أن يزيد كان من أولياء الله ، وإن من توقف فيه وقفه الله على نار جهنم ، فراجع ما حكاه ابن تيمية عنهم في الرسالة ( 7 ) من مجموعة الرسائل الكبرىفي صفحة 300 من جزئها الأول .ونقل القسطلاني في باب ما قيل في قتال الروم من كتاب الجهاد من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري في صفحة 230 من جزئه السادس عن المهلب إنه كان يقول بثبوت خلافة يزيد وإنه من أهل الجنة .
    ونقل ابن خلدون في صفحة 241 أثناء الفصل الذي عقده في مقدمته لولاية العهد عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي أنه قال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه أن الحسين قتل بشرع جده ( ص ) .
    وذكر ابن الأثير في عدة حوادث سنة 583 في آخر ورقة من الجزء 11 من كامله إن في تلك السنة مات عبد المغيث بن زهير ببغداد قال : وكان من أعيان الحنابلة قد سمع الحديث الكثير وصنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب ، وقد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي وكان بينهما عداوة ا ه‍ .
    قلت : والذين عذروا يزيد من أوليائه واعتذروا عنه كثيرون ، منهم ابن تيمية فيما تقدمت إليه الإشارة من رسالته السابعة والغزالي في الآفة الثامنة من كتاب آفات اللسان من أحياء العلومفي صفحة 112 من جزئه الثالث . ( * )
     

    - ص 132 -
    قال أبو الحسن المدائني ( كما في أوائل الجزء 16 من شرح النهج لابن أبي الحديد في الصفحة 4 من المجد 4 طبع مصر ) : كانت وفاة الحسن سنة 49 وكان مريضا 40 يوما وكان سنة 47 سنة ، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الأشعث ،
    وقال لها : إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف أزوجك يزيد فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد وقال : أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله ( ص ) ا ه‍ .

    ونقل المدائني عن الحصين بن المنذر الرقاشي ( كما في صفحة 7 من المجلد الرابع من شرح النهج طبع مصر أيضا ) : إنه كان يقول : والله ما وفي معاوية للحسن بشئ مما أعطاه قتل حجرا وأصحابه وبايع لابنه يزيد ، وسم الحسن ا ه‍ .

    وقال أبو الفرج الأصفهاني المرواني في كتابه مقاتل الطالبيين حيث ذكر السبب في وفاة الحسن عليه السلام ما هذا لفظه : وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس إليهما سما فماتا منه الخ .
    وفي صفحة 17 من المجلد 4 من شرح ابن أبي الحديد طبع مصر ما يلفت الأنظار في هذا المقام فراجعه لتعلم ما قلناه .
    وروى ابن عبد البر في ترجمة الحسن من استيعابه عن قتادة وأبي بكر بن حفص إن بنت الأشعث سقت الحسن بن علي السم ، ثم قال : وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك ا ه‍ .
    والأخبار في ذلك لا تحتملها هذه العجالة .
    ولو أردنا أن نستوفي من قتلهم معاوية من المصلحين وأولياء الله ( 74 ) صبرا
     * هامش * 
     (74) لم يقتصر معاوية على قتل أولياء الله في سبيل سياسته حتى قتل = 

    - ص 133 -
    وأبادهم غدرا واستأصلهم عتوا وطحنهم حربا وسمل أعينهم ظلما وقطع أيديهم وأرجلهم بغيا واستل ألسنة لهم تنطق بالحق عنادا وأسقط شهاداتهم زورا وتقول عليهم افتراء وطلق حلائلهم مكرا وأخذ أموالهم سلبا وصاح في حجراتهم نهبا وهدم دورهم
    عشيا وأقصاهم نفيا وأوسعهم ذلا وضيق عليهم حبسا ودفنهم أحياء ولعنهم على المنابر أمواتا - لأفنينا المحابر واستغرقنا الصحف والدفاتر ثم لم نبلغ غايتنا المقصودة ولم نظفر بضالتنا المنشودة وكذلك لو أردنا أن نتصدى للأحكام التي بدلها
    والحدود التي عطلها والبوائق التي ارتكبها والفواقر التي احتقبها والدواهي التي حدثت في زمانه والغاشمين الذين أشركهم في سلطانه كابن شعبة وابن العاص وابن سعيد وابن أرطاة وابن جندب ومروان وابن السمط وزياد وابن مرجانة والوليد الذين
    فعلوا الأفاعيل وقهروا الأمة بالأباطيل وساموا عباد الله سوء العذاب يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وحسبك ما أجمع أهل الأخبار على نقله واتفق أهل العلم على صدوره من بعثه بسرا سنة أربعين لاستئصال من في اليمن من عباد الله الصالحين ،
    فراجع ما شئت من كتب الأخبار ولاحظ ما يحضرك مما يشتمل على أحداث تلك السنة من كتب الآثار ، لتعلم فظاعة هذه الواقعة وتعرف كنه ما كان يوم هذه الفاجعة من قتل الشيوخ الركع وذبح الأطفال الرضع ونهب الأموال وسبي العيال ، وما
    ينس فلا ينس ما فعله يومئذ بنساء همدان ، إذ سباهن فأقمن ( كما في ترجمة بسر من الاستيعاب ) في السوق ، وكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها .

    قال في الاستيعاب : فكن أول مسلمات سبين في الإسلام ، وما أدري هذه
     * هامش * 
      = في ذلك أخص أوليائه به وأشدهم ملازمة له عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، حارب معه في صفين وحالفه على عداوة أمير المؤمنين ثم بعدها باعه بالتافه الزهيد وقتله مخافة أن ترغب الناس به عن يزيد ، وقصته مشهورة عند أهل الأخبار مستفيضة بين أهل السير والآثار ، فراجع ترجمة عبد الرحمن من الاستيعاب تجد التفصيل . ( * ) 

    - ص 134 -
    أفظع وأوجع أم ما فعله بطفلي عبيد الله بن العباس ، وكان عبيد الله يومئذ عاملا لأمير المؤمنين على اليمن فهرب إليه من بسر ، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي وكان جد الطفلين لأمهما ، فقتله بسر فيمن قتلهم يومئذ من الألوف المؤلفة
    من خيار الناس وقتل ابنه ، وبحث عن الطفلين فوجدهما عند رجل من كنانة في البادية ، فلما أراد بسر قتلهما قال له الكناني   ( كما في تاريخ ابن الأثير ) لم تقتلهما وهما طفلان لا ذنب لهما ، فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، فقتله ثم ذبحهما بين أيدي
    أمهما ( 75 ) فهامت على وجهها جنونا مما نالها تأتي الموسم تنشدهما فتقول :
    يا من أحس بابني اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف
    يا من أحس بابني اللذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف
    يا من أحس بابني اللذين هما * قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
    من دل والهة حيرى مدلهة 
    ( 76 ) * على صبيين ذلا إذ غدا السلف
    نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من إفكهم ومن الإثم الذي اقترفوا
    أحنى 
    ( 77 ) على ودجي ابني مرهفة * مشحوذة وكذاك الإثم يقترف

    وقالت له امرأة من كنانة لما ذبحهما ( كما في تاريخ ابن الأثير ) : يا هذا قتلت الرجال فعلى م تقتل هذين ؟ ! والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام والله يا بن أبي أرطاة سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان السوء .

    قال ابن الأثير : فلما سمع أمير المؤمنين بقتلهما جزع جزعا شديدا ودعا على
     * هامش * 
     (75) كذا في ترجمة بسر من الاستيعاب .
    (76)
     الذاهبة العقل . 
    (77)
     كذا في رواية ابن الأثير وفي رواية الاستيعاب وأبي الفداء انحى . ( * )
     

    - ص 135 -
    بسر فقال اللهم اسلبه دينه وعقله . قال فأصابه ذلك فكان يهذي بالسيف فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتى مات ا ه‍ .
     - إلى غير ذلك من بوائق معاوية وأعوانه وجرائم وزرائه ومقوية سلطانه ، وكان أحدهم يقتل الألوف من أفاضل الرجال ويعمل الأعمال التي يهتز منها عرش العظمة والجلال ثم لا يستعظم ما احتقب ولا يتألم مما ارتكب .

    أخرج الإمام الطبري في أحداث سنة خمسين من تاريخه ( 78 ) بالإسناد إلى محمد بن سليم قال : سألت أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحدا ؟ قال : وهل يحصى من قتلهم سمرة بن جندب ، استخلفه زياد على البصرة ستة أشهر حين كان واليا
    عليها وعلى الكوفة من قبل معاوية وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس . فقال له زياد : هل تخاف أن تكون قتلت أحدا بريئا ؟ قال لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ا ه‍ .

    وأخرج هناك أيضا بالإسناد إلى أبي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن ا ه‍ .
    وأخرج هناك أيضا بإسناده عن عوف قال : أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففاجأ أول الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة عبثا وعتوا . قال : ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب
    وهو متشحط بدمه فقال : ما هذا ؟ قيل : أصابته أوائل خيل الأمير ، قال عتوا واستكبارا : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا ا ه‍ .
    وهذه القضايا متفق على صدورها من سمرة نقلها كل من أرخ حوادث سنة خمسين ، كابن جرير وابن الأثير وأمثالهما . وإذا كانت هذه أعمال سمرة في
     * هامش * 
     (78) في صفحة 122 من جزئه السادس . ( * ) 

    - ص 136 -
    ستة أشهر وهو ثقة البخاري ودليله على دين الباري قد احتج به في الورقة الثالثة من كتاب بدء الخلق من صحيحه ( 79 ) . وجزم بعدالته ( 80 ) في ظاهر القول وصريحه ، فما ظنك بأعمال زياد بن سمية الخبيت الفاسق بإجماع البرية ، وقد ولاه
    معاوية ( كما نص عليه الطبري ( 81 ) في أحداث سنة خمسين من تاريخه ) أعمال الكوفة والبصرة والمشرق كله ، وسجستان وفارس والسند والهند ، فكم حرة في تلك الولاية هتكت . وكم حرمة لله انتهكت ، وكم دماء زكية سفكت ، وكم
    شرعة اندرجت وكم بدعة أسست ، وكم أعين سملت وأيد وأرجل قطعت و . و . و . ؟ ! إلى ما لا يحصى من الأعمال البربرية والفظائع الأموية التي تقشعر لها جلود البرية ويتصدع بها قلب الإنسانية .
     
     * هامش * 
     (79) في آخر صفحة 138 من جزئه الثاني قبل باب ما جاء في صفة الجنة بأربعة أحاديث ، واحتج به في موارد يعرفها المتتبع ، ونص الإمام محمد بن القيسراني في كتابه " الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصفهاني " على احتجاج البخاري ومسلم كليهما في سمرة بن جندب مع ماله من الأعمال ،فراجع أحواله في الجزء الرابع من شرح النهج للعلامة ابن أبي الحديد في السطر الأول من صفحة 363 من المجلد الأول طبع مصر لتعلم الحقيقة ، ولو سبرت من قبل تلك الصفحة إلى ما بعدها بوريقات لعلمت أحوال جملة من رجال البخاري كابن العاص والمغيرة ومروان وأبي هريرة وغيرهم من عمال معاوية وأوليائه .
    (80) مع ما ثبت عنه من المساوئ التي من جملتها بيع الخمر على عهد عمر فيما رواه المحدثون ، وأخرجه أحمد بن حنبل من حديث عمر بن الخطاب في صفحة 25 من الجزء الأول من مسنده قال : ذكر لعمر أن سمرة باع خمرا . فقال : قاتل الله سمرة إن رسول الله قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها .
    (81) في صفحة 134 من جزئه السادس . ( * )
     

    - ص 137 -
    لكن الجمهور لما بنوا على اجتهاد معاوية عذروه في أعمال عماله ، ولم يخدش في عدالته عندهم بوائقه ولا بوائق رجاله .
    وعذروه أيضا في حربه عليا عليه السلام ، وهو أخو النبي ووصيه ونفسه في آية المباهلة ووليه بعد انعقاد البيعة له حتى قتل من المسلمين ألوف مؤلفة ، وقد قال رسول الله ( ص ) فيما أخرجه البخاري ( 82 ) ومسلم في صحيحيهما " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " ( 83 ) وقال صلى الله عليه وآله يوم جلل عليا وفاطمة والحسن والحسين بالكساء فيما ذكره ابن حجر في صواعقه ( 84 ) وأبو بكر بن شهاب الدين في رشفته من جملة حديث : " أنا حرب لمن حاربهم
     
     * هامش * 
     (82) راجع من صحيح البخاري باب قول النبي ( ص ) لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض من كتاب الفتن في الجزء الرابع وراجع من صحيح مسلم كتاب الإيمان .(83) فإن قلت : كيف قاتل علي ( ع ) كلا من أهل الشام والبصرة والنهروان وهم مسلمون ؟ قلت : إنما قاتلهم عملا بقوله تعالى " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " ولا ريب ببغي معاوية وأصحابه بدليل قتلهم لعمار ، على أن بغيهم أوضح من النهار .
    وأيضا أخرج مسلم في باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع من كتاب الإمارة من صحيحه عن عرفجة قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من أتاكم وأمركم مجمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه ا ه‍ .
    وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب ما هذا لفظه : وروي من حديث علي ومن حديث ابن مسعود حديث أبي أيوب الأنصاري أنه " يعني عليا " أمر بقتال الناكثين " يوم الجمل " والقاسطين " يوم صفين " والمارقين " يوم النهروان " قال : وروي عنه أنه قال : ما وجدت إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله ا ه
    (84) في الآية الأولى من الآيات التي أوردها في الفصل الأول من الباب الحادي عشر . ( * )
     

    - ص 138 -
    وسلم لمن سالمهم وعدو لمن عاداهم " ( 85 ) وقال صلى الله عليه وآله : " حرب علي حربي وسلمه سلمي " إلى غير ذلك من الصحاح التي لا حاجة إلى إيرادها لتواترها بين المسلمين .

    وعذروه أيضا في لعنه بقنوت الصلاة رجالا أذهب عنهم الرجس محكم التنزيل وهبط بتطهيرهم جبرائيل وباهل بهم النبي صلى الله عليه وآله بأمر ربه الجليل ، أولئك الذين فرض الله مودتهم وأوجب الرسول ولايتهم .
    وهم أحد الثقلين اللذين لا يضل من تمسك بهما ولا يهتدي إلى الله من ضل عنهما ، ألا وهم أمير المؤمنين أخو الرسول ووليه وصاحب العناء بتأسيس دينه ووصيه ومن شهد الرسول بأنه يحب الله ورسوله ، وإنه منه بمنزلة هارون من موسى ، وولداه سبطا رسول الله وريحانتاه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة .

    ولعن معهم عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة مع ما علم من وجوب تعظيمهم بحكم الضرورة من دين الإسلام وما ثبت بالعيان من شرف مقامهم لدى سيد الأنام ، وكيف لا يكونون كذلك وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي ومعدن الرحمة .

    وما اكتفى بذلك حتى أمر بلعن أمير المؤمنين عليه السلام في كل كورة وترك ذلك سنة على أعوادها في كل عيد وجمعة ، وما زالت الخطباء في جميع الأنحاء تعد تلك البدعة المكفرة جزء من الخطبة إلى سنة 99 فأزالها خير بني مروان عمر بن
    عبد العزيز وهذا كله معلوم بالضرورة مقطوع فيه بحكم البداهة قد أجمع أهل العلم على صدوره واتفقت كلمة أهل السير على نقله فراجع ما ما شئت من كتب الأخبار لتعلم أن المسألة كضوء النهار .
     
     * هامش * 
     (85) وأخرج أحمد بن حنبل من حديث أبي هريرة في صفحة 442 من الجزء الثاني من مسنده أن رسول الله ( ص ) نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم . ( * ) 

    - ص 139 -
    وكان الحسن قد شرط على معاوية إذا اصطلحا شروطا منها أن لا يشتم أباه فلم يجبه إلى هذه وأجابه إلى ما سواها ، فطلب الحسن أن لا يشتم عليا وهو يسمع ، قال ابن الأثير وابن جرير وأبو الفداء وابن الشحنة وكل من ذكر صلح معاوية والحسن : فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به ا ه‍ .

    بل شتم عليا والحسن على منبر الكوفة ، فقام الحسين ليرد عليه فأجلسه الحسن عليهما السلام ، ثم قام بأبي هو وأمي ففضح معاوية وألقمه حجرا ، وهذه القضية ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين وكثير من أهل السير والأخبار ،
    ولم يزل معاوية يلعن أمير المؤمنين أمام البر والفاجر ويحمل عليها الأصاغر والأكابر حتى أمر سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم في باب فضائل علي من صحيحه بالإسناد إلى عامر بن سعد قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعد ابن أبي
    وقاص فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول ( ص ) فلن أسبه لا تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم - الحديث ( 86 ) .

    وأمر الأحنف بن قيس فقال له كما نص عليه جماعة منهم أبو الفداء في أحداث سنة 67 من تاريخه : والله لتصعدن المنبر ولتعلننه طوعا أو كرها ، فكان بينهما كلام أفضى إلى خوف معاوية من الفضيحة إذا استوى الأحنف على المنبر فأعفاه من ذلك .
    وقد علم الناس كافة إن معاوية لم يقتل حجرا وأصحابه الأبدال إلا لامتناعهم عن لعن أمير المؤمنين وسيد الوصيين ، ولو أجابوه إلى لعنه لحقنت دماؤهم فراجع مقتل حجر في أول الجزء 6 ؟ من كتاب الأغاني لأبي الفرج المرواني ، وفي أحداث سنة 51 من تاريخ ابن جرين وابن الأثير وغيرهما لتعلم
     
     * هامش * 
     (86) وأخرجه النسائي في الصفحة الثانية من الخصائص العلوية ، وهو منقول عن الترمذي وعن الجمع بين الصحيحين والجمع بين الصحاح الستة . ( * ) 

    - ص 140 -
    الحقيقة ، وتعرف أن عبد الرحمن بن حسان العنزي لما أبى وامتنع عن لعن علي عليه السلام في مجلس معاوية أرسله إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة ، فدفنه حيا ، وما زال يلعن عليا على رؤوس الأشهاد ، ويحمل على لعنه بالترهيب والترغيب كافة العباد في كافة البلاد .

    هذا مع ما صح من قول النبي ( ص ) : " من سب عليا فقد سبني " أخرجه الحاكم وصححه ، وهو عندنا من المتواترات ، وأخرج النسائي في صفحة 17 من الخصائص العلوية وابن حنبل في 323 من الجزء السادس من مسنده من حديث أم سلمة
    عن عبد الله أو أبي عبد الله الجدلي قال : دخلت على أم سلمة فقالت لي أيسب رسول الله فيكم ؟ قلت : معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها قالت : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : من سب عليا فقد سبني ( 87 ) ا ه‍ .

    وقال ابن عبد البر في ترجمة علي من استيعابه ما هذا لفظه : وقال صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن آذى عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ا ه‍ ( 88 ) .

    وقال ( ص ) فيما أخرجه الطبراني وغيره : ما بال أقوام يبغضون عليا ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن فارق عليا فقد فارقني ، إن عليا مني وأنا منه ، خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم ، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم يا بريدة أما علمت أن لعلي أفضل من الجارية التي أخذ وهو وليكم بعدي .

    وقال ( ص ) فيما أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما ( كما في الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق ) عن عمران بن حصين أن رسول الله قال : ما تريدون من
     * هامش * 
     (87) هذه الفضيلة من خصائص أمير المؤمنين ، ولذلك أوردها النسائي في خصائصه ، وبها وبأمثالها نكفر الخوارج وأشباههم . 
    (88)
     وأخرج ابن خالويه في كتاب الآل عن ابن عباس وأبو يعلي والبزار عن سعد بن أبي وقاص والطبراني عن أم سلمة نحوه . ( * )
     

    - ص 141 -
    علي ما تريدون من علي ما تريدون من علي ، إن عليا مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي .

    وفي ترجمة علي ( ع ) من الاستيعاب ما هذا نصه : وروى طائفة من الصحابة أن رسول الله ( ص ) قال لعلي رضي الله عنه : لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق .
    قال : وكان علي رضي الله عنه يقول : والله إنه لعهد النبي الأمي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق ا ه‍ .

    قلت : وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه ، وقد تواتر قوله صلى الله عليه وآله : " من كنت مولاه فعلي مولاه ( 89 ) اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار " ا ه‍ .

    ومقامنا لا يسع استقصاء ما جاء في وجوب موالاته ولا يفي باستيفاء ما دل على تحريم معاداته ، فنلفت الراغب في ذلك من إخواننا المسلمين إلى ما أودعناه في كتابنا سبيل المؤمنين ، فإنه متكفل بالتفصيل متعهد بإقامة البرهان والدليل على أن هذا
    المقدار كاف لأولي الأبصار ، وإذا صح اجتهاد معاوية في مقابل هذه الأحاديث الصحيحة وجاز تأوله في عرض تلك النصوص الصريحة ، فتأمل من يستفرغ وسعه في التعبد بالأدلة ويستغرق جهده في العمل بقواعد الملة أولى بالصحة وأحق بالجواز على أن أفعاله لم تكن إلا لطلب الملك ( 90 ) انتزاعه
     
     * هامش * 
     (89) قد اعترف به صاحب الفتاوي الحامدية بتواتره وعده من التواترات في رسالته المختصرة الموسومة بالصلاة الفاخرة بالأحاديث المتواترة ، وكذلك الحافظ السيوطي وغيره .(90) وقد صرح معاوية به يوم النخيلة حيث قال من جملة خطبة خطبها يومئذ : والله إني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا وإنما قاتلتكم لا تأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . = 

    - ص 142 -
    من أهله وعداوته لعلي إنما هي ناشئة عن الأحقاد البدرية والضغائن الجاهلية .

    وأما المتأولة من فقراء المسلمين ومساكين أهل الدين فإنه لا طمع لهم بملك ، ولا أمل لهم بسلطان ولا ثأر لهم يطلبونه ولا غرض لهم سوى الحق يقصدونه ، وقد اقتفوا أثر البرهان واتبعوا أدلة أهل الإيمان فإن أصابوا فمأجورون وإن أخطأوا فمعذورون .

    وهذا آخر ما أردناه في هذا الفصل فاحكموا أيها المنصفون بالعدل .

    والسلام على من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى ورحمة الله وبركاته .