الأربعاء، 7 أغسطس 2013

سوريا بين صراع الأبيض والأسود وصمت الرمادي

شراع
سوريا بين صراع الأبيض والأسود وصمت الرمادي

نعم تبدو سوريا في معادلة الصمود مع المؤامرة الكونية المعدة بعناية فائقة لسلخها عن الجسد العربي، لوحة سوداء حالكة وخاصة بعد السنتين الماضيتين على نشوب الأزمة، حيث تضافرت كل الأدوات وأُعِدَّت جميع الوسائل لتحويل لوحة البياض المتمثلة في التسامح الفريد الذي يعد مفخرة لكل عربي ومسلم، إلى اللون المضاد والمقابل له، فانبرت الأطراف المتآمرة بكل ما أوتيت من قوة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وموارد مالية وعسكرية لمسح بياض اللوحة السورية تبعًا للون الذي يناسب مزاجها وحقيقتها وتكوينها، وهو اللون الأسود الذي تعبر حلكته عن مشاعر حقد وغيظ مستفحلين في أعماق النفس والقلب تجاه سوريا شعبًا وجيشًا وحكومةً.
وفي بادئ الأمر عمدت قوى التآمر إلى تدريج الألوان رويدًا رويدًا وصولًا إلى الهدف المنشود وهو طمس اللون الأبيض، فكانت أولى تدرجات الألوان تلك العقوبات الاقتصادية الظالمة والقاسية على الشعب السوري، لتأخذ تدرجًا آخر في اللون فيما بعد وهو بعثة المراقبين العرب بقيادة الفريق محمد أحمد الدابي الذي قادت نزاهة بعثته وحياديتها وموضوعيتها ـ رغم التشويه والتحريض والتخوين والضغوط التي قادتها قوى التآمر وماكيناتها الإعلامية ـ إلى التعجيل بإنهاء مهمته؛ لأنها كادت تكشف عملية تدريج الألوان والتي بدا أول انكشاف لها في حي بابا عمرو في مدينة حمص، حيث كانت عملية التشويه والتحريض ضد بعثة المراقبين العرب مجرد وسيلة للتغطية على عملية يجري إعدادها، وهي تهيئة الحي إلى وكْرٍ لقوى الظلام والتكفير وأدوات إجرامها التي سيقع على عاتقها تدريج الألوان إلى اللون الأسود بالسرعة المضبوطة على ساعة الزمن لميقاتيي التآمر، ولم يكن شرطًا إخراج الأسلحة الثقيلة إلى خارج المدن وترك حرية التظاهر لمن قيل إنهم متظاهرون، إلا إيذانًا بعملية الدخول إلى اللون الرمادي، وتشكُّل الحاضنات لعصابات الظلام والتكفير والترويع. كما أن المراحل اللاحقة لم تنفصل عن الهدف المنشود وهو دمغ لوحة البياض بسواد الإرهاب والتكفير والظلامية والتدمير والتخريب، في مرحلة واضحة من مراحل استغلال الوقت لإعطاء قوى الظلام والتكفير والإرهاب الفرصة الكافية لكي تنجح في إنجاز المهمة الموكلة إليها، حيث كانت مهمة كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدولية العربية إحدى حلقات المرحلة، بدليل تعمُّد قوى التآمر إفشالها وتزهيق أنان في مهمته وحتى في عيشته، ففضل الحفاظ على ما بقي عنده من ذرة ضمير ومثقال عقل، بإعلانه الاستقالة وترك قيادة مرحلة كسب الزمن للمتآمرين إلى خليفته الأخضر الإبراهيمي.
وبين هذه المراحل الزمنية وأثنائها كانت عمليات التنسيق بين الأدوات والطرف الأصيل في مؤامرة تفتيت سوريا وهو كيان الاحتلال الصهيوني وجهاز استخباراته "الموساد"، تتم داخل الحدود وعلى الحدود، ما جعل الشعب السوري يقع ضحية بين متاريس طاحونة الإرهاب العابر للحدود وقذائف الإرهاب للطيران الحربي الصهيوني، ولم يكن العدوان الإرهابي الصهيوني على مركز البحث في جمرايا بريف دمشق وعلى جولتين، والجيب الصهيوني والصواريخ والألغام في مدينة القصير، وأجهزة التجسس على ساحل اللاذقية، والمستشفى الميداني في الجولان السوري المحتل لعلاج الأدوات والعملاء، إلا أدلة مادية واضحة على عمق العلاقة القائمة والتنسيق العالي بين هذه الأدوات والعملاء وكيان الاحتلال الصهيوني الذي من أجله يراد تدمير سوريا ودول المنطقة وتقسيمها.
إن وضوح الصورة اليوم لا يحتاج إلى عصف سياسي لاستنباط الألوان المعبرة عن الأدوار، أو إلى عصف ذهني للوصول إلى الأسباب التي قادت إلى محاولة طمس اللون الأبيض من اللوحة السورية التي غدت أشبه بخريطة للحق والباطل، والألوان عبارة عن مفاتيح لها، فاللون الأبيض يرمز الحق، والأسود يرمز للباطل والإرهاب، أما الرمادي فيرمز للمترددين أو الصامتين، وفي المشهد أن الصراع قائم بين الأبيض والأسود، غير أن الرمادي بدا أقرب إلى الأسود إن لم يكن أسود، فمقادير الأوطان تختفي أمام قامتها جميع الألوان ما عدا اللون الأبيض الرامز للحق، وفي معادلة الصراع على بقاء الأوطان الناس راحلون والأوطان باقية، والصمت في عرفه ومصطلحه صنو للخيانة.
إن استفاقة الشعب السوري ـ ولو بدت متأخرة ـ حول ما يبيت ضده وضد وطنه من مؤامرة، ومن ثم التفافه حول جيشه، حالا دون طغيان السواد في لوحة الوطن السوري، ويرجع إليهما الفضل ـ بعد الله ـ في تنظيف مساحات لوحة الوطن الملوثة بسواد الإرهاب والتكفير والتخريب والتدمير، وجعلها بيضاء، ولذلك فإن أصحاب اللون الرمادي هم اليوم بين خيارين؛ إما اختيار اللون الأبيض أو اللون الأسود، ولا منزلة بين المنزلتين في مقادير الوطن السوري وبقائه. وانتظار ما قد تجود به الظروف من قسمة تحت لافتة الحياد، واقع طوته تطورات الميدان، فضلًا عن أنه في موازين الوطنية يمثل انتهازية.
لقد كان صريحا الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه مساء الأحد الماضي حين قال: "في سوريا هناك أطياف كثيرة يحق لكل شخص اختيار الطيف السياسي الذي يريده، ولكن في الوطن لا يمكن إلا الاختيار بين الأبيض والأسود، والكثير من الشعب السوري اتخذ اللون الرمادي الذي يسمح بخلق حاضنات للوحوش في بداية الأزمة وبدأت تتكاثر ولم تعد بحاجة لتلك الحاضنات التي خلقت عن قلة معرفة، ونحن كمجتمع نتحمل مسؤولية ذلك"، مضيفًا: "مع تراجع الحاضنة مؤخرًا أصبحنا أمام حالات تعطي المزيد من البياض على هذه اللوحة السوداء عندما قام البعض من هؤلاء الشباب ليس فقط في تسليم أنفسهم، بل في القتال إلى جانب القوات المسلحة". 

خميس بن حبيب التوبي 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق